ابن كثير

21

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

قالت : فبقرت لي الحديث « 1 » ، فقلت : وقد كان هذا ؟ قالت : نعم واللّه ، فرجعت إلى بيتي كأن الذي خرجت له لا أجد منه قليلا ولا كثيرا ، ووعكت وقلت لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أرسلني إلى بيت أبي ، فأرسل معي الغلام ، فدخلت الدار فوجدت أم رومان في السفل ، وأبا بكر فوق البيت يقرأ ، فقالت أم رومان : ما جاء بك بنية ، فأخبرتها وذكرت لها الحديث ، وإذا هو لم يبلغ منها مثل ما بلغ مني ، فقالت : يا بنية خففي عليك الشأن فإنه واللّه لقل ما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا حسدنها ، وقيل فيها ، فقلت : وقد علم به أبي ؟ قالت : نعم . قلت : ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ . قالت : نعم ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فاستعبرت وبكيت ، فسمع أبو بكر صوتي وهو فوق البيت يقرأ ، فنزل فقال لأمي : ما شأنها ؟ قالت : بلغها الذي ذكر من شأنها ، ففاضت عيناه رضي اللّه عنه وقال : أقسمت عليك - أي بنية - إلا رجعت إلى بيتك ، فرجعت ، ولقد جاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بيتي فسأل عني خادمتي فقالت : لا واللّه ما علمت عليها عيبا إلا أنها كانت ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل خميرها أو عجينها ، وانتهرها بعض أصحابه فقال : اصدقي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى أسقطوا لها به . فقالت : سبحان اللّه ، واللّه ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ عن تبر الذهب الأحمر ، وبلغ الأمر ذلك الرجل الذي قيل له ، فقال : سبحان اللّه ، واللّه ما كشفت كنف أنثى قط . قالت عائشة رضي اللّه عنها : فقتل شهيدا في سبيل اللّه وقالت : وأصبح أبواي عندي فلم يزالا حتى دخل عليّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقد صلى العصر ، ثم دخل وقد اكتنفني أبواي عن يميني وعن شمالي فحمد اللّه تعالى وأثنى عليه ، ثم قال : « أما بعد يا عائشة إن كنت قارفت سوءا أو ظلمت فتوبي إلى اللّه ، فإن اللّه يقبل التوبة عن عباده » قالت : وقد جاءت امرأة من الأنصار فهي جالسة بالباب فقلت : ألا تستحيي من هذه المرأة أن تذكر شيئا ؟ فوعظ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فالتفت إلى أبي فقلت له : أجبه قال : فماذا أقول ؟ فالتفت إلى أمي فقلت : أجيبيه قالت : ماذا أقول ؟ فلما لم يجيباه تشهدت فحمدت اللّه وأثنيت عليه بما هو أهله ، ثم قلت : أما بعد فو اللّه إن لئن قلت لكم إني لم أفعل واللّه عز وجل يشهد أني لصادقة ما ذاك بنافعي عندكم ، لقد تكلمتم به وأشربته قلوبكم ، وإن قلت لكم إني قد فعلت ، واللّه يعلم أني لم أفعل ، لتقولن قد باءت به على نفسها ، وإنني واللّه ما أجد لي ولكم مثلا ، والتمست اسم يعقوب فلم أقدر عليه إلا أبا يوسف حين قال فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ وأنزل اللّه على رسوله صلى اللّه عليه وسلم من ساعته ، فسكتنا فرفع عنه وإني لأتبين السرور في وجهه وهو يمسح جبينه ويقول « أبشري يا عائشة فقد أنزل اللّه براءتك » قالت : وكنت أشد ما كنت غضبا فقال لي أبواي : قومي إليه ، فقلت لا واللّه لا أقوم إليه ولا أحمده ولا أحمدكما ، ولكن أحمد اللّه الذي أنزل براءتي لقد سمعتموه فما

--> ( 1 ) بقرت لي الحديث : أي فتحته وكشفته .