ابن كثير

201

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

[ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 10 إلى 13 ] وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 10 ) وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 11 ) وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ ( 12 ) فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 13 ) يقول تعالى مخبرا عن فؤاد أم موسى حين ذهب ولدها في البحر أنه أصبح فارغا ، أي من كل شيء من أمور الدنيا إلا من موسى ، قاله ابن عباس ومجاهد ، وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو عبيدة ، والضحاك والحسن البصري وقتادة وغيرهم . إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ أي إن كادت من شدة وجدها وحزنها وأسفها لتظهر أنه ذهب لها ولد ، وتخبر بحالها لولا أن اللّه ثبتها وصبرها ، قال اللّه تعالى : لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ أي أمرت ابنتها وكانت كبيرة تعي ما يقال لها ، فقالت لها : قُصِّيهِ أي اتبعي أثره ، وخذي خبره ، وتطلبي شأنه من نواحي البلد ، فخرجت لذلك فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ قال ابن عباس : عن جانب . وقال مجاهد : بصرت به عن جنب عن بعد . وقال قتادة : جعلت تنظر إليه وكأنها لا تريده ، وذلك أنه لما استقر موسى عليه السلام بدار فرعون وأحبته امرأة الملك واستطلقته منه ، عرضوا عليه المراضع التي في دارهم فلم يقبل منها ثديا ، وأبى أن يقبل شيئا من ذلك ، فخرجوا به إلى السوق لعلهم يجدون امرأة تصلح لرضاعته ، فلما رأته بأيديهم عرفته ولم تظهر ذلك ولم يشعروا بها . قال اللّه تعالى : وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ أي تحريما قدريا ، وذلك لكرامته عند اللّه وصيانته له أن يرتضع غير ثدي أمه ، ولأن اللّه سبحانه وتعالى جعل ذلك سببا إلى رجوعه إلى أمه لترضعه ، وهي آمنة بعد ما كانت خائفة ، فلما رأتهم حائرين فيمن يرضعه قالت هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ . قال ابن عباس : فلما قالت ذلك ، أخذوها وشكوا في أمرها ، وقالوا لها : وما يدريك بنصحهم له وشفقتهم عليه ؟ فقالت لهم : نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في سرور الملك ورجاء منفعته ، فأرسلوها ، فلما قالت لهم ذلك وخلصت من أذاهم ، ذهبوا معها إلى منزلهم فدخلوا به على أمه فأعطته ثديها فالتقمه ، ففرحوا بذلك فرحا شديدا ، وذهب البشير إلى امرأة الملك ، فاستدعت أم موسى وأحسنت إليها وأعطتها عطاء جزيلا ، وهي لا تعرف أنها أمه في الحقيقة ، ولكن لكونه وافق ثديها ، ثم سألتها آسية أن تقيم عندها فترضعه ، فأبت عليها وقالت : إن لي بعلا وأولادا ، ولا أقدر على المقام عندك ، ولكن إن أحببت أن أرضعه في بيتي فعلت . فأجابتها امرأة فرعون إلى ذلك ، وأجرت عليها النفقة والصلات والكساوي والإحسان الجزيل ، فرجعت أم موسى بولدها راضية مرضية قد أبدلها اللّه بعد خوفها أمنا ، في عز وجاه