ابن كثير
199
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
المصرية ، وجرى له مع جبارها ما جرى حين أخذ سارة ليتخذها جارية ، فصانها اللّه منه ومنعه منها بقدرته وسلطانه ، فبشر إبراهيم عليه السلام ولده أنه سيولد من صلبه وذريته من يكون هلاك ملك مصر على يديه . فكانت القبط تحدث بهذا عند فرعون ، فاحترز فرعون من ذلك ، وأمر بقتل ذكور بني إسرائيل ولن ينفع حذر من قدر ، لأن أجل اللّه إذا جاء لا يؤخر ، ولكل أجل كتاب ، ولهذا قال تعالى : وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ - إلى قوله - يَحْذَرُونَ وقد فعل تعالى ذلك بهم ، كما قال تعالى : وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ - إلى قوله - يَعْرِشُونَ [ الأعراف : 137 ] . وقال تعالى : كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ [ الشعراء : 59 ] أراد فرعون بحوله وقوته أن ينجو من موسى ، فما نفعه ذلك مع قدرة الملك العظيم الذي لا يخالف أمره القدري ولا يغلب ، بل نفذ حكمه وجرى قلمه في القدم بأن يكون هلاك فرعون على يديه ، بل يكون هذا الغلام الذي احترزت من وجوده وقتلت بسببه ألوفا من الولدان ، إنما منشؤه ومرباه على فراشك وفي دارك ، وغذاؤه من طعامك وأنت تربيه وتدلله وتتفداه ، وحتفك وهلاكك وهلاك جنودك على يديه ، لتعلم أن رب السماوات العلا هو القاهر الغالب العظيم القوي العزيز الشديد المحال ، الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن . [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 7 إلى 9 ] وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 7 ) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ ( 8 ) وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 9 ) ذكروا أن فرعون لما أكثر من قتل ذكور بني إسرائيل ، خافت القبط أن يفني بني إسرائيل ، فيلون هم ما كانوا يلونه من الأعمال الشاقة ، فقالوا لفرعون : إنه يوشك إن استمر هذا الحال أن يموت شيوخهم وغلمانهم يقتلون . ونساؤهم لا يمكن أن تقمن بما تقوم به رجالهم من الأعمال ، فيخلص إلينا ذلك ، فأمر بقتل الولدان عاما وتركهم عاما ، فولد هارون عليه السلام في السنة التي يتركون فيها الولدان ، وولد موسى في السنة التي يقتلون فيها الولدان ، وكان لفرعون ناس موكلون بذلك ، وقوابل يدرن على النساء ، فمن رأينها قد حملت أحصوا اسمها ، فإذا كان وقت ولادتها لا يقبلها إلا نساء القبط ، فإن ولدت المرأة جارية تركنها وذهبن ، وإن ولدت غلاما دخل أولئك الذباحون بأيديهم الشفار المرهفة فقتلوه ومضوا ، قبحهم اللّه تعالى . فلما حملت أم موسى به عليه السلام لم يظهر عليها مخايل الحمل كغيرها ، ولم تفطن لها الدايات ولكن لما وضعته ذكرا ضاقت به ذرعا ، وخافت عليه خوفا شديدا ، وأحبته حبا زائدا ، وكان موسى عليه السلام لا يراه أحد إلا أحبه ، فالسعيد من أحبه طبعا وشرعا ، قال اللّه تعالى :