ابن كثير

196

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

باقية على ما كانت عليه ، وهي تمر مر السحاب أي تزول عن أماكنها ، كما قال تعالى : يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً [ الطور : 9 - 10 ] قال تعالى : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً [ طه : 105 - 107 ] وقال تعالى : وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً [ الكهف : 47 ] وقوله تعالى : صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ أي يفعل ذلك بقدرته العظيمة الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ أي أتقن كل ما خلق ، وأودع فيه من الحكمة ما أودع ، إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ أي هو عليم بما يفعل عباده من خير وشر ، وسيجازيهم عليه أتم الجزاء . ثم بين تعالى حال السعداء والأشقياء يومئذ ، فقال : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها قال قتادة : بالإخلاص ، وقال زين العابدين : هي لا إله إلا اللّه ، وقد بين تعالى في الموضع الآخر أن له عشر أمثالها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ كما قال في الآية الأخرى : لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ [ الأنبياء : 103 ] وقال تعالى : أَ فَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ [ فصلت : 40 ] وقال تعالى : وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ [ سبأ : 37 ] وقوله تعالى : وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ أي من لقي اللّه مسيئا لا حسنة له ، أو قد رجحت سيئاته على حسناته كل بحسبه ، ولهذا قال تعالى : هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . وقال ابن مسعود وابن عباس وأبو هريرة رضي اللّه عنهم ، وأنس بن مالك وعطاء وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وإبراهيم النخعي ، وأبو وائل وأبو صالح ومحمد بن كعب وزيد بن أسلم ، والزهري والسدي والضحاك والحسن وقتادة وابن زيد في قوله : وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ يعني بالشرك . [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 91 إلى 93 ] إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 91 ) وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ ( 92 ) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 93 ) يقول تعالى مخبرا رسوله وآمرا له أن يقول : إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ كما قال تعالى : قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ [ يونس : 104 ] وإضافة الربوبية إلى البلدة على سبيل التشريف لها والاعتناء بها ، كما قال تعالى : فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [ قريش : 3 - 4 ] ، وقوله تعالى : الَّذِي حَرَّمَها أي الذي إنما صارت حراما شرعا وقدرا بتحريمه لها ، كما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم فتح مكة : « إن هذا البلد حرمه اللّه يوم خلق السماوات والأرض ، فهو حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة ، لا يعضد شوكه ، ولا ينفر صيده ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها