ابن كثير

187

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

[ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 65 إلى 66 ] قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ( 65 ) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ ( 66 ) يقول تعالى آمرا رسوله صلى اللّه عليه وسلم أن يقول معلما لجميع الخلق أنه لا يعلم أحد من أهل السماوات والأرض الغيب إلا اللّه . وقوله تعالى : إِلَّا اللَّهُ استثناء منقطع أي لا يعلم أحد ذلك إلا اللّه عز وجل فإنه المنفرد بذلك وحده لا شريك له كما قال تعالى : وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ [ الأنعام : 59 ] الآية ، وقال تعالى : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ [ لقمان : 34 ] إلى آخر السورة ، والآيات في هذا كثيرة . وقوله تعالى : وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ أي وما يشعر الخلائق الساكنون في السماوات والأرض بوقت الساعة كما قال تعالى : ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً [ الأعراف : 187 ] أي ثقل علمها على أهل السماوات والأرض . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا علي بن الجعد ، حدثنا أبو جعفر الرازي عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن مسروق عن عائشة رضي اللّه عنها ، قالت : من زعم أنه يعلم - يعني النبي صلى اللّه عليه وسلم - ما يكون في غد فقد أعظم على اللّه الفرية لأن اللّه تعالى يقول : قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وقال قتادة : إنما جعل اللّه هذه النجوم لثلاث خصال : جعلها زينة للسماء وجعلها يهتدى بها وجعلها رجوما للشياطين ، فمن تعاطى فيها غير ذلك فقد قال برأيه وأخطأ حظه وأضاع نصيبه ، وتكلف ما لا علم له به . وإن أناسا جهلة بأمر اللّه قد أحدثوا من هذه النجوم كهانة ، من أعرس بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا ، ومن سافر بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا ، ومن ولد بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا ، ولعمري ما من نجم إلا يولد به الأحمر والأسود والقصير والطويل والحسن والدميم ، وما علم هذا النجم وهذه الدابة وهذا الطير بشيء من الغيب ، وقضى اللّه تعالى أنه لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا اللّه وما يشعرون أيان يبعثون . رواه ابن أبي حاتم بحروفه وهو كلام جليل متين صحيح . وقوله : بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها أي انتهى علمهم وعجز عن معرفة وقتها ، وقرأ آخرون بل أدرك علمهم أي تساوى علمهم في ذلك كما في الصحيح لمسلم أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لجبريل وقد سأله عن وقت الساعة : « ما المسؤول عنها بأعلم من السائل » « 1 » أي تساوى في العجز عن درك ذلك علم المسؤول والسائل ، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ أي غاب « 2 » ، وقال قتادة بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الإيمان باب 37 ، وتفسير سورة 31 ، باب 2 ، ومسلم في الإيمان حديث 1 ، 5 ، 7 ، وأبو داود في السنة باب 16 ، والترمذي في الإيمان باب 4 ، والنسائي في الإيمان باب 5 ، 6 ، وابن ماجة في المقدمة باب 9 ، والفتن باب 25 ، وأحمد في المسند 2 / 426 . ( 2 ) انظر تفسير الطبري 10 / 8 .