ابن كثير

17

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

أنزل الحجاب ، فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه ، مسيرنا حتى إذا فرغ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من غزوة وقفل ودنونا من المدينة ، آذن ليلة بالرحيل فقمت حين آذن بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش ، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فلمست صدري ، فإذا عقد لي من جزع ظفار « 1 » قد انقطع ، فرجعت فالتمست عقدي ، فحبسني ابتغاؤه وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلونني فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركبه ، وهم يحسبون أني فيه . قالت : وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلن ولم يغشهن اللحم ، إنما يأكلن العلقة من الطعام ، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه ، وكنت جارية حديثة السن ، فبعثوا الجمل وساروا ووجدت عقدي بعد ما استمر الجيش ، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب ، فتيممت منزلي الذي كنت فيه ، وظننت أن القوم سيفقدونني فيرجعون إلي ، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيناي فنمت ، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني قد عرس من وراء الجيش ، فأدلج « 2 » فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم ، فأتاني فعرفني حين رآني ، وقد كان يراني قبل الحجاب ، فاستيقظت باسترجاعه « 3 » حين عرفني ، فخمرت وجهي بجلبابي ، واللّه ما كلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حتى أناخ راحلته ، فوطئ على يدها فركبتها ، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة « 4 » ، فهلك من هلك في شأني . وكان الذي تولى كبره عبد اللّه بن أبي ابن سلول ، فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمناها شهرا والناس يفيضون في قول أهل الإفك ، ولا أشعر بشيء من ذلك ، وهو يريبني في وجعي أني لا أرى من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم اللطف الذي أرى منه حين أشتكي ، إنما يدخل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيسلم ثم يقول « كيف تيكم ؟ » فذلك الذي يريبني ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعد ما نقهت « 5 » ، وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع وهو متبرزنا ولا نخرج إلا ليلا إلى ليل ، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا وأمرنا أمر العرب الأول في التنزه « 6 » في البرية وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها في بيوتنا . فانطلقت أنا وأم مسطح وهي بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف ، وأمها ابنة صخر بن

--> ( 1 ) الجزع : الخرز ، وظفار : مدينة باليمن . ( 2 ) أدلج : سار في آخر الليل . ( 3 ) استرجع : أن يقول : إنا للّه وإنا إليه راجعون . ( 4 ) يقال : وغرت الهاجرة وغرا ، وأوغر الرجل : إذا دخل في الهاجرة ، والهاجرة : وقت توسط الشمس السماء . ( 5 ) نقهت : أي أفقت وبرأت . ( 6 ) التنزه : التباعد ، أي كانوا يقضون الحاجة في مكان بعيد .