ابن كثير
157
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
ومرة في مدحة فلان . وقال قتادة : الشاعر يمدح قوما بباطل ويذم قوما بباطل . وقوله تعالى : وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ قال العوفي عن ابن عباس : كان رجلان على عهد رسول اللّه أحدهما من الأنصار ، والآخر من قوم آخرين ، وإنهما تهاجيا ، فكان مع كل واحد منهما غواة من قومه ، وهم السفهاء ، فقال اللّه تعالى : وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ « 1 » . وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : أكثر قولهم يكذبون فيه . وهذا الذي قاله ابن عباس رضي اللّه عنه هو الواقع في نفس الأمر . فإن الشعراء يتبجحون بأقوال وأفعال لم تصدر منهم ولا عنهم ، فيتكثرون بما ليس لهم ، ولهذا اختلف العلماء رحمهم اللّه : فيما إذا اعترف الشاعر في شعره بما يوجب حدا : هل يقام عليه بهذا الاعتراف أم لا ، لأنهم يقولون ما لا يفعلون ؟ على قولين . وقد ذكر محمد بن إسحاق ومحمد بن سعد في الطبقات ، والزبير بن بكار في كتاب الفكاهة ، أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، استعمل النعمان بن عدي بن نضلة على ميسان من أرض البصرة ، وكان يقول الشعر ، فقال [ الطويل ] : ألا هل أتى الحسناء أن حليلها * بميسان يسقى في زجاج وحنتم « 2 » إذا شئت غنتني دهاقين قرية * ورقاصة تجذو على كل منسم فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني * ولا تسقني بالأصغر المتثلم لعل أمير المؤمنين يسوؤه * تنادمنا بالجوسق المتهدّم فلما بلغ ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قال : إي واللّه إنه ليسوؤني ذلك ، ومن لقيه فليخبره أني قد عزلته ، وكتب إليه عمر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ - أما بعد - قد بلغني قولك : لعل أمير المؤمنين يسوؤه * تنادمنا بالجوسق المتهدم وأيم اللّه إنه ليسوؤني وقد عزلتك . فلما قدم على عمر بكته بهذا الشعر ، فقال : واللّه يا أمير
--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 9 / 489 . ( 2 ) البيت الأول للنعمان بن نضلة العدوي في لسان العرب ( جذا ) ، وللنعمان بن عدي في لسان العرب ( ختم ) ، وتاج العروس ( خثم ) والمخصص 9 / 100 ، والبيت الثاني ، ويروى البيت الثاني : إذا شئت غنّتني دهاقين قرية * وصنّاجه تحدو على كل منسم وهو للنعمان بن نضلة العدوي في لسان العرب ( جذ ) وتاج العروس ( جذا ) ، وبلا نسبة في لسان العرب ( صنج ) ، ( دهق ) ، ( دهقن ) ، وتاج العروس ( صنج ) ، ( دهقن ) ، ومجمل اللغة 1 / 418 ، ومقاييس اللغة 1 / 439 ، 511 ، والمخصص 12 / 86 ، 262 ، والبيتان الثالث والرابع للنعمان بن نضلة العدوي في الأزهية ص 218 ، ولسان العرب ( جسق ) ( ندم ) ، ( جدا ) ، وبلا نسبة في لسان العرب ( دهق )