ابن كثير
145
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا [ الأعراف : 88 ] فأرجفوا بنبي اللّه ومن اتبعه فأخذتهم الرجفة ، وفي سورة هود قال فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ * [ الحجر : 73 - 83 ] وذلك لأنهم استهزءوا بنبي اللّه في قولهم أَ صَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ [ هود : 87 ] قالوا ذلك على سبيل التهكم والازدراء ، فناسب أن تأتيهم صيحة تسكتهم ، فقال فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ * الآية ، وهاهنا قالوا فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ الآية ، على وجه التعنت والعناد ، فناسب أن يحقق عليهم ما استبعدوا وقوعه فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ . قال قتادة : قال عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنه : إن اللّه سلط عليهم الحر سبعة أيام حتى ما يظلهم منه شيء ، ثم إن اللّه تعالى أنشأ لهم سحابة ، فانطلق إليها أحدهم فاستظل بها فأصاب تحتها بردا وراحة ، فأعلم بذلك قومه فأتوها جميعا فاستظلوا تحتها فأججت عليهم نارا ، وهكذا روي عن عكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغيرهم . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : بعث اللّه إليهم الظلة حتى إذا اجتمعوا كلهم كشف اللّه عنهم الظلة وأحمى عليهم الشمس ، فاحترقوا كما يحترق الجراد في المقلى « 1 » . وقال محمد بن كعب القرظي : إن أهل مدين عذبوا بثلاثة أصناف من العذاب : أخذتهم الرجفة في دارهم حتى خرجوا منها ، فلما خرجوا منها أصابهم فزع شديد ، ففرقوا أن يدخلوا إلى البيوت فتسقط عليهم ، فأرسل اللّه عليهم الظلة ، فدخل تحتها رجل فقال : ما رأيت كاليوم ظلا أطيب ولا أبرد من هذا ، هلموا أيها الناس ، فدخلوا جميعا تحت الظلة ، فصاح بهم صيحة واحدة ، فماتوا جميعا ، ثم تلا محمد بن كعب فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ . وقال محمد بن جرير « 2 » : حدثني الحارث ، حدثني الحسن ، حدثني سعيد بن زيد أخو حماد بن زيد ، حدثنا حاتم بن أبي صغيرة ، حدثني يزيد الباهلي ، سألت ابن عباس عن هذه الآية فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ الآية ، قال : بعث اللّه عليهم رعدا وحرا شديدا ، فأخذ بأنفاسهم فخرجوا من البيوت هرابا إلى البرية ، فبعث اللّه عليهم سحابة فأظلتهم من الشمس ، فوجدوا لها بردا ولذة ، فنادى بعضهم بعضا حتى إذا اجتمعوا تحتها أرسل اللّه عليهم نارا . قال ابن عباس : فذلك عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ أي العزيز في انتقامه من الكافرين ، الرحيم بعباده المؤمنين .
--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 9 / 474 . ( 2 ) تفسير الطبري 9 / 474 .