ابن كثير
119
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وقوله تعالى : وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً وهذه أيضا من صفات المؤمنين الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [ الأنفال : 2 ] بخلاف الكافر ، فإنه إذا سمع كلام اللّه لا يؤثر فيه ولا يتغير عما كان عليه بل يبقى مستمرا على كفره وطغيانه وجهله وضلاله ، كما قال تعالى : وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ [ التوبة : 124 - 125 ] . فقوله لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً أي بخلاف الكافر الذي إذا سمع آيات اللّه فلا تؤثر فيه ، فيستمر على حاله كأن لم يسمعها أصم أعمى . قال مجاهد قوله لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً قال : لم يسمعوا ولم يبصروا ولم يفقهوا شيئا . وقال الحسن البصري رضي اللّه عنه : كم من رجل يقرؤها ويخر عليها أصم أعمى . وقال قتادة : قوله تعالى : وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً يقول : لم يصموا عن الحق ولم يعموا فيه ، فهم واللّه قوم عقلوا عن الحق وانتفعوا بما سمعوا من كتابه . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أسيد بن عاصم ، حدثنا عبد اللّه بن حمران ، حدثنا ابن عون قال سألت الشعبي قلت : الرجل يرى القوم سجودا ولم يسمع ما سجدوا ، أيسجد معهم ؟ قال : فتلا هذه الآية : يعني أنه لا يسجد معهم ، لأنه لم يتدبر أمر السجود ، ولا ينبغي للمؤمن أن يكون إمعة بل يكون على بصيرة من أمره ويقين واضح بين . وقوله تعالى : وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ يعني الذين يسألون اللّه أن يخرج من أصلابهم من ذرياتهم من يطيعه ويعبده وحده لا شريك له . قال ابن عباس : يعنون من يعمل بطاعة اللّه فتقر به أعينهم في الدنيا والآخرة . قال عكرمة : لم يريدوا بذلك صباحة ولا جمالا ، ولكن أرادوا أن يكونوا مطيعين . وسئل الحسن البصري عن هذه الآية فقال : أن يرى اللّه العبد المسلم من زوجته ومن أخيه ومن حميمه طاعة اللّه ، لا واللّه لا شيء أقر لعين المسلم من أن يرى ولدا أو ولد ولدا أو أخا أو حميما مطيعا للّه عز وجل . قال ابن جريج في قوله هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ قال : يعبدونك فيحسنون عبادتك ولا يجرون علينا الجرائر . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : يعني يسألون اللّه تعالى لأزواجهم وذرياتهم أن يهديهم للإسلام . وقال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا يعمر بن بشر ، حدثنا عبد اللّه بن المبارك ، أخبرنا صفوان بن عمرو ، حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال : جلسنا إلى المقداد بن الأسود يوما ، فمر به رجل فقال : طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لوددنا أنا رأينا ما رأيت
--> ( 1 ) المسند 6 / 2 ، 3 .