ابن كثير

105

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وقوله تعالى : لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً أي أرضا قد طال انتظارها للغيث ، فهي هامدة لا نبات فيها ولا شيء فلما جاءها الحياء عاشت واكتست رباها أنواع الأزاهير والألوان ، كما قال تعالى : فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ * [ الحج : 5 ] الآية ، وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً أي وليشرب منه الحيوان من أنعام ، وأناسيّ محتاجين إليه غاية الحاجة لشربهم وزروعهم وثمارهم ، كما قال تعالى : وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا [ الشورى : 28 ] الآية ، وقال تعالى : فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها [ الروم : 50 ] الآية . وقوله تعالى : وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا أي أمطرنا هذه الأرض دون هذه ، وسقنا السحاب يمر على الأرض ويتعداها ويتجاوزها إلى الأرض الأخرى ، فيمطرها ويكفيها ويجعلها غدقا ، والتي وراءها لم ينزل فيها قطرة من ماء ، وله في ذلك الحجة البالغة والحكمة القاطعة . قال ابن عباس وابن مسعود رضي اللّه عنهم : ليس عام بأكثر مطرا من عام ، ولكن اللّه يصرفه كيف يشاء ، ثم قرأ هذه الآية وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً أي ليذكروا بإحياء اللّه الأرض الميتة أنه قادر على إحياء الأموات والعظام الرفات ، أو ليذكر من منع المطر إنما أصابه ذلك بذنب أصابه ، فيقلع عما هو فيه . وقال عمر مولى غفرة : كان جبريل عليه السلام في موضع الجنائز ، فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم « يا جبريل إني أحب أن أعلم أمر السحاب » قال : فقال له جبريل : يا نبي اللّه هذا ملك السحاب فسله ، فقال : تأتينا صكاك مختمة ، اسق بلاد كذا وكذا ، كذا وكذا قطرة . رواه ابن أبي حاتم وهو حديث مرسل . وقوله تعالى : فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً قال عكرمة : يعني الذين يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا ، وهذا الذي قاله عكرمة كما صح في الحديث المخرج في صحيح مسلم عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال لأصحابه يوما على أثر سماء أصابتهم من الليل « أتدرون ماذا قال ربكم ؟ » قالوا : اللّه ورسوله أعلم . قال « قال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر ، فأما من قال : مطرنا بفضل اللّه ورحمته فذاك مؤمن بي ، كافر بالكواكب ، وأما من قال : مطرنا بنوء كذا وكذا ، فذاك كافر بي ، مؤمن بالكواكب » « 1 » . [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 51 إلى 54 ] وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً ( 51 ) فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً ( 52 ) وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً ( 53 ) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً ( 54 )

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الإيمان حديث 125 .