ابن كثير

95

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

خلقوا ، قياما لا تكلم نفس إلا بإذنه ، ينادي : يا محمد ، فيقول : « لبيك وسعديك ، والخير في يديك والشر ليس إليك ، والمهدي من هديت ، وعبدك بين يديك ، ومنك وإليك لا منجى ولا ملجأ منك إلا إليك ، تباركت وتعاليت سبحانك رب البيت » فهذا المقام المحمود الذي ذكره اللّه عز وجل « 1 » . ثم رواه عن بندار ، عن غندر عن شعبة ، عن أبي إسحاق به ، وكذا رواه عبد الرزاق عن معمر والثوري ، عن أبي إسحاق به ، وقال ابن عباس : هذا المقام المحمود مقام الشفاعة ، وكذا قال ابن أبي نجيح عن مجاهد ، وقال الحسن البصري . وقال قتادة : هو أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة وأول شافع ، وكان أهل العلم يرون أنه المقام المحمود الذي قال اللّه تعالى : عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً قلت لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تشريفات يوم القيامة لا يشركه فيها أحد ، وتشريفات لا يساويه فيها أحد ، فهو أول من تنشق عنه الأرض ويبعث راكبا إلى المحشر ، وله اللواء الذي آدم فمن دونه تحت لوائه ، وله الحوض الذي ليس في الموقف أكثر واردا منه ، وله الشفاعة العظمى عند اللّه ليأتي لفصل القضاء بين الخلائق ، وذلك بعد ما تسأل الناس آدم ثم نوحا ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ، فكل يقول : لست لها ، حتى يأتوا إلى محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فيقول « أنا لها أنا لها » كما سنذكر ذلك مفصلا في هذا الموضع إن شاء اللّه تعالى . ومن ذلك أنه يشفع في أقوام قد أمر بهم إلى النار فيردون عنها ، وهو أول الأنبياء يقضي بين أمته ، وأولهم إجازة على الصراط بأمته ، وهو أول شفيع في الجنة كما ثبت في صحيح مسلم . وفي حديث الصور أن المؤمنين كلهم لا يدخلون الجنة إلا بشفاعته ، وهو أول داخل إليها ، وأمته قبل الأمم كلهم ، ويشفع في رفع درجات أقوام لا تبلغها أعمالهم وهو صاحب الوسيلة التي هي أعلى منزلة في الجنة لا تليق إلا له ، وإذا أذن اللّه تعالى في الشفاعة للعصاة ، شفع الملائكة والنبيون والمؤمنون فيشفع هو في خلائق لا يعلم عدتهم إلا اللّه تعالى ، ولا يشفع أحد مثله ولا يساويه في ذلك ، وقد بسطت ذلك مستقصى في آخر كتاب السيرة في باب الخصائص ، وللّه الحمد والمنة . ولنذكر الآن الأحاديث الواردة في المقام المحمود وباللّه المستعان . قال البخاري « 2 » : حدثنا إسماعيل بن أبان ، حدثنا أبو الأحوص عن آدم بن علي ، سمعت ابن عمر قال : إن الناس يصيرون يوم القيامة جثاء كل أمة تتبع نبيها يقولون : يا فلان اشفع يا فلان اشفع ، حتى تنتهي الشفاعة إلى محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فذلك يوم يبعثه اللّه مقاما محمودا . ورواه حمزة بن عبد اللّه عن أبيه ،

--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 8 / 131 . ( 2 ) كتاب التفسير ، تفسير سورة 17 ، باب 11 .