ابن كثير
83
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
الذي سألوا فإن كفروا هلكوا ، كما أهلكت من كان قبلهم من الأمم . وقال « لا ، بل استأن بهم » وأنزل اللّه تعالى : وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ الآية ، ورواه النسائي وابن جرير به . وقال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا سفيان عن سلمة بن كهيل عن عمران بن حكيم ، عن ابن عباس ، قال : قالت قريش للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبا ونؤمن بك . قال « وتفعلون ؟ » قالوا : نعم . قال : فدعا فأتاه جبريل فقال : إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك : إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبا ، فمن كفر منهم بعد ذلك عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين » ، وإن شئت فتحت لهم أبواب التوبة والرحمة ، فقال : « بل باب التوبة والرحمة » . وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده : حدثنا محمد بن إسماعيل بن علي الأنصاري ، حدثنا خلف بن تميم المصيصي عن عبد الجبار بن عمر الأيلي ، عن عبد اللّه بن عطاء بن إبراهيم عن جدته أم عطاء مولاة الزبير بن العوام قالت : سمعت الزبير يقول لما نزلت وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [ الشعراء : 214 ] صاح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على أبي قبيس « يا آل عبد مناف إني نذير » فجاءته قريش فحذرهم وأنذرهم ، فقالوا : تزعم أنك نبي يوحى إليك ، وإن سليمان سخر له الريح والجبال ، وإن موسى سخر له البحر ، وإن عيسى كان يحيي الموتى فادع اللّه أن يسير عنا هذه الجبال ويفجر لنا الأرض أنهارا ، فنتخذها محارث فنزرع ونأكل ، وإلا فادع اللّه أن يحيي لنا موتانا لنكلمهم ويكلمونا ، وإلا فادع اللّه أن يصيّر لنا هذه الصخرة التي تحتك ذهبا فننحت منها وتغنينا عن رحلة الشتاء والصيف ، فإنك تزعم أنك كهيئتهم . وقال : فبينا نحن حوله إذ نزل عليه الوحي ، فلما سرّي عنه ، قال : « والذي نفسي بيده ، لقد أعطاني ما سألتم ولو شئت لكان ، ولكنه خيرني بين أن تدخلوا باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم ، وبين أن يكلكم إلى ما اخترتم لأنفسكم فتضلوا عن باب الرحمة ، فلا يؤمن منكم أحد ، فاخترت باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم ، وأخبرني أنه إن أعطاكم ذلك ثم كفرتم أن يعذبكم عذابا لا يعذبه أحد من العالمين » ونزلت وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وقرأ ثلاث آيات ونزلت وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى [ الرعد : 31 ] الآية . ولهذا قال تعالى : وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ أي نبعث الآيات ونأتي بها على ما سأل قومك منك فإنه سهل علينا يسير لدينا إلا أنه قد كذب بها الأولون بعد ما سألوها ، وجرت سنتنا فيهم وفي أمثالهم أنهم لا يؤخرون إن كذبوا بها بعد نزولها ، كما قال اللّه تعالى في المائدة
--> ( 1 ) المسند 1 / 242 .