ابن كثير

79

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وقتادة : يحركونها استهزاء ، وهذا الذي قالاه هو الذي تعرفه العرب من لغاتها ، لأن الانغاض هو التحرك من أسفل إلى أعلى أو من أعلى إلى أسفل ، ومنه قيل للظليم وهو ولد النعامة نغضا ، لأنه إذا مشى عجل بمشيته وحرك رأسه ، ويقال : نغضت سنّه إذا تحركت وارتفعت من منبتها وقال الراجز : [ مشطور الرجز ] ونغضت من هرم أسنانها « 1 » وقوله : وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ إخبار عنهم بالاستبعاد منهم لوقوع ذلك ، كما قال تعالى : وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * [ الملك : 25 ] وقال تعالى : يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها [ الشورى : 18 ] . وقوله : قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً أي احذروا ذلك ، فإنه قريب سيأتيكم لا محالة ، فكل ما هو آت آت . وقوله تعالى : يَوْمَ يَدْعُوكُمْ أي الرب تبارك وتعالى : إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ [ الروم : 25 ] أي إذا أمركم بالخروج منها ، فإنه لا يخالف ولا يمانع ، بل كما قال تعالى : وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [ القمر : 50 ] إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ النحل : 40 ] . وقوله فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ [ النازعات : 13 - 14 ] أي إنما هو أمر واحد بانتهار ، فإذا الناس قد خرجوا من باطن الأرض إلى ظاهرها ، كما قال تعالى : يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ أي تقومون كلكم إجابة لأمره وطاعة لإرادته . قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : فتستجيبون بحمده ، أي بأمره ، وكذا قال ابن جريج : وقال قتادة بمعرفته وطاعته . وقال بعضهم يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ أي وله الحمد في كل حال . وقد جاء في الحديث « ليس على أهل لا إله إلا اللّه وحشة في قبورهم ، كأني بأهل لا إله إلا اللّه يقومون من قبورهم ينفضون التراب عن رؤوسهم يقولون لا إله إلا اللّه » وفي رواية يقولون الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [ فاطر : 34 ] وسيأتي في سورة فاطر . وقوله تعالى : وَتَظُنُّونَ أي يوم تقومون من قبوركم إِنْ لَبِثْتُمْ أي في الدار الدنيا إِلَّا قَلِيلًا ، وكقوله تعالى : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها [ النازعات : 46 ] ، وقال تعالى : يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً [ طه : 102 - 104 ] ، وقال تعالى : وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ [ الروم : 55 ] ، وقال تعالى : قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [ المؤمنون : 112 - 114 ] .

--> ( 1 ) الرجز بلا نسبة في تفسير الطبري 8 / 91 ، وتفسير البحر المحيط 6 / 43 ، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي 10 / 275 .