ابن كثير

77

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

ونسحر بالطعام وبالشراب « 1 » أي يغذي ، وقد صوب هذا القول ابن جرير ، وفيه نظر لأنهم أرادوا هاهنا أنه مسحور له رئي يأتيه بما استمعوه من الكلام الذي يتلوه ، ومنهم من قال : شاعر . ومنهم من قال : كاهن . ومنهم من قال : مجنون ومنهم من قال : ساحر ، ولهذا قال تعالى : انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا أي فلا يهتدون إلى الحق ولا يجدون إليه مخلصا . قال محمد بن إسحاق في السيرة : حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري أنه حدث أن أبا سفيان بن حرب وأبا جهل بن هشام والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي حليف بني زهرة ، خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يصلي بالليل في بيته ، فأخذ كل واحد منهم مجلسا يستمع فيه ، وكل لا يعلم بمكان صاحبه ، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا ، حتى إذا جمعتهم الطريق تلاوموا ، وقال بعضهم لبعض : لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا ، ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثانية ، عاد كل رجل منهم إلى مجلسه فباتوا يستمعون له ، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا وجمعتهم الطريق ، فقال بعضهم لبعض مثل ما قاله أول مرة ، ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل مجلسه فباتوا يستمعون له ، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعتهم الطريق ، فقال بعضهم لبعض لا نبرح حتى نتعاهد لا نعود ، فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا . فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ثم خرج حتى أتى أبا سفيان بن حرب في بيته ، فقال : أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد . قال : يا أبا ثعلبة واللّه لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها ، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها ، قال الأخنس : وأنا والذي حلفت به . قال : ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته ، فقال : يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد ؟ قال : ما ذا سمعت ؟ قال : تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف : أطعموا فأطعمنا ، وحملوا فحملنا وأعطوا فأعطينا ، حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان ، قالوا : منا نبي يأتيه الوحي من السماء ، فمتى ندرك هذه واللّه لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه . قال : فقام عنه الأخنس وتركه « 2 » .

--> ( 1 ) صدره : أرانا موضعين لأمر غيب والبيت من الوافر وليس من الرجز كما قال المؤلف وهو لامرئ القيس في ديوانه ص 97 ، ولسان العرب ( سحر ) ، والتنبيه والإيضاح 2 / 131 ، وكتاب العين 3 / 135 ، وجمهرة اللغة ص 511 ، وتاج العروس ( سحر ) ، وبلا نسبة في تهذيب اللغة 4 / 293 . ( 2 ) انظر سيرة ابن هشام 1 / 315 ، 316 .