ابن كثير
57
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
محمد بن أبي بكر الصديق ومحمد ابن الحنفية وغيرهم ، وأخرج ابن حبان في صحيحه عن جرير بن حازم : سمعت أبا رجاء العطاردي ، سمعت ابن عباس رضي اللّه عنهما وهو على المنبر يقول : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يزال أمر هذه الأمة مواتيا أو مقاربا ما لم يتكلموا في الوالدان والقدر » قال ابن حبان : يعني أطفال المشركين ، وهكذا رواه أبو بكر البزار من طريق جرير بن حازم ، ثم قال : وقد رواه جماعة عن أبي رجاء عن ابن عباس موقوفا . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 16 ] وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً ( 16 ) اختلف القراء في قراءة قوله أَمَرْنا فالمشهور قراءة التخفيف ، واختلف المفسرون في معناها ، فقيل : معناها أمرنا مترفيها ففسقوا فيها أمرا قدريا ، كقوله تعالى : أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً [ يونس : 24 ] فإن اللّه لا يأمر بالفحشاء ، قالوا : معناه أنه سخرهم إلى فعل الفواحش ، فاستحقوا العذاب ، وقيل : معناه أمرناهم بالطاعات ففعلوا الفواحش ، فاستحقوا العقوبة ، رواه ابن جريج عن ابن عباس ، وقاله سعيد بن جبير أيضا . وقال ابن جرير « 1 » : يحتمل أن يكون معناه جعلناهم أمراء ، قلت إنما يجيء هذا على قراءة من قرأ أَمَرْنا مُتْرَفِيها ، قال علي بن طلحة عن ابن عباس قوله : أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها يقول : سلطنا أشرارها فعصوا فيها ، فإذا فعلوا ذلك أهلكهم اللّه بالعذاب ، وهو قوله : وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها [ الأنعام : 123 ] الآية ، وكذا قال أبو العالية ومجاهد والربيع بن أنس . وقال العوفي عن ابن عباس وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها يقول ، أكثرنا عددهم « 2 » ، وكذا قال عكرمة والحسن والضحاك وقتادة . وعن مالك ، عن الزهري أَمَرْنا مُتْرَفِيها أكثرنا ، وقد استشهد بعضهم بالحديث الذي رواه الإمام أحمد « 3 » ، حيث قال : حدثنا روح بن عبادة ، حدثنا أبو نعيم العدوي عن مسلم بن بديل ، عن إياس بن زهير ، عن سويد بن هبيرة ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال « خير مال امرئ له مهرة مأمورة ، أو سكة مأبورة » قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه اللّه في كتابه الغريب : « المأمورة كثيرة النسل ، والسكة الطريقة المصطفة من النخل ، والمأبورة من التأبير » وقال بعضهم : إنما جاء هذا متناسبا كقوله « مأزورات غير مأجورات » . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 17 ] وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ( 17 ) يقول تعالى منذرا كفار قريش في تكذيبهم رسوله محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ، بأنه قد أهلك من المكذبين
--> ( 1 ) تفسير الطبري 8 / 51 . ( 2 ) انظر تفسير الطبري 8 / 52 . ( 3 ) المسند 5 / 170 .