ابن كثير
44
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
ويفجرون على الناس ، كقوله تعالى : وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ [ الحجر : 66 ] أي تقدمنا إليه ، وأخبرناه بذلك ، وأعلمناه به . وقوله فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما أي أولى الإفسادتين بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ أي سلطنا عليكم جندا من خلقنا أولي بأس شديد ؛ أي قوة وعدة وسلطنة شديدة ، فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ ، أي تملكوا بلادكم وسلكوا خلال بيوتكم ، أي بينها ووسطها ، وانصرفوا ذاهبين وجائين لا يخافون أحدا وكان وعدا مفعولا . وقد اختلف المفسرون من السلف والخلف في هؤلاء المسلطين عليهم من هم ؟ فعن ابن عباس وقتادة أنه جالوت الجزري وجنوده ، سلط عليهم أولا ثم أديلوا عليه بعد ذلك . وقتل داود جالوت ، ولهذا قال ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ « 1 » الآية ، وعن سعيد بن جبير أنه ملك الموصل سنجاريب وجنوده . وعنه أيضا وعن غيره أنه بختنصر ملك بابل . وقد ذكر ابن أبي حاتم له قصة عجيبة في كيفية ترقيه من حال إلى حال إلى أنه ملك البلاد ، وأنه كان فقيرا مقعدا ضعيفا يستعطي الناس ويستطعمهم ، ثم آل به الحال إلى ما آل ، وأنه سار إلى بلاد بيت المقدس فقتل بها خلقا كثيرا من بني إسرائيل ، وقد روى ابن جرير « 2 » في هذا المكان حديثا أسنده عن حذيفة مرفوعا مطولا ، وهو حديث موضوع لا محالة ، لا يستريب في ذلك من عنده أدنى معرفة بالحديث ، والعجب كل العجب كيف راج عليه مع جلالة قدره وإمامته ، وقد صرح شيخنا الحافظ العلامة أبو الحجاج المزي رحمه اللّه بأنه موضوع مكذوب ، وكتب ذلك على حاشية الكتاب . وقد وردت في هذا آثار كثيرة إسرائيلية لم أر تطويل الكتاب بذكرها ، لأن منها ما هو موضوع ومن وضع بعض زنادقتهم ، ومنها ما قد يحتمل أن يكون صحيحا ، ونحن في غنية عنها ، وللّه الحمد . وفيما قص اللّه علينا في كتابه غنية عما سواه من بقية الكتب قبله ، ولم يحوجنا اللّه ولا رسوله إليهم . وقد أخبر اللّه عنهم أنهم لما طغوا وبغوا ، سلط اللّه عليهم عدوهم فاستباح بيضتهم ، وسلك خلال بيوتهم ، وأذلهم وقهرهم جزاء وفاقا ، وما ربك بظلام للعبيد ، فإنهم كانوا قد تمردوا وقتلوا خلقا من الأنبياء والعلماء . وقد روى ابن جرير « 3 » : حدثني يونس بن عبد الأعلى حدثنا ابن وهب ، أخبرني سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد قال : سمعت سعيد بن المسيب يقول : ظهر بختنصر على الشام ، فخرب بيت المقدس وقتلهم ، ثم أتى دمشق فوجد بها دما يغلي على كبا ، فسألهم ، ما هذا الدم ؟ فقالوا : أدركنا آباءنا على هذا ، وكلما ظهر عليه الكبا ظهر ، قال : فقتل على ذلك الدم
--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 8 / 29 . ( 2 ) تفسير الطبري 8 / 21 . ( 3 ) تفسير الطبري 8 / 28 .