ابن كثير

41

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

الأمور العظام ، فلو كان مناما لم يكن فيه كبير شيء ، ولم يكن مستعظما ، ولما بادرت كفار قريش إلى تكذيبه ، ولما ارتدت جماعة ممن كان قد أسلم . وأيضا فإن العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد ، وقال تعالى أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا وقال تعالى : وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [ الإسراء : 60 ] قال ابن عباس : هي رؤيا عين أريها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليلة أسري به ، والشجرة الملعونة هي شجرة الزقوم ، رواه البخاري « 1 » ، وقال تعالى : ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى [ النجم : 17 ] والبصر من آلات الذات لا الروح ، وأيضا فإنه حمل على البراق وهو دابة بيضاء براقة لها لمعان ، وإنما يكون هذا للبدن لا للروح لأنها لا تحتاج في حركتها إلى مركب تركب عليه ، واللّه أعلم . وقال آخرون بل أسري برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بروحه لا بجسده ، قال محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة : حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أن معاوية بن أبي سفيان ، كان إذا سئل عن مسرى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : كانت رؤيا من اللّه صادقة . وحدثني بعض آل أبي بكر أن عائشة كانت تقول : ما فقد جسد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولكن أسري بروحه . قال ابن إسحاق : فلم ينكر ذلك من قولها لقول الحسن إن هذه الآية نزلت وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [ الإسراء : 60 ] ولقول اللّه في الخبر عن إبراهيم إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى [ الصافات : 102 ] قال : ثم مضى على ذلك ، فعرفت أن الوحي يأتي للأنبياء من اللّه أيقاظا ونياما ، فكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « تنام عيناي وقلبي يقظان » واللّه أعلم ، أي ذلك كان قد جاءه وعاين من اللّه فيه ما عاين على أي حالاته كان نائما أو يقظانا ، كل ذاك حق وصدق ، انتهى كلام ابن إسحاق « 2 » . وقد تعقبه أبو جعفر بن جرير في تفسيره بالرد والإنكار والتشنيع بأن هذا خلاف ظاهر سياق القرآن ، وذكر من الأدلة على رده بعض ما تقدم ، واللّه أعلم . [ فائدة حسنة جليلة ] روى الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتاب دلائل النبوة من طريق محمد بن عمر الواقدي : حدثني مالك بن أبي الرجال عن عمرو بن عبد اللّه عن محمد بن كعب القرظي ، قال : بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم دحية بن خليفة إلى قيصر ، فذكر وروده عليه وقدومه إليه ، وفي السياق دلالة عظيمة على وفور عقل هرقل ، ثم استدعى من بالشام من التجار فجيء بأبي سفيان صخر بن حرب وأصحابه ، فسألهم عن تلك المسائل المشهورة التي رواها البخاري ومسلم كما سيأتي

--> ( 1 ) كتاب التفسير تفسير سورة 17 ، باب 9 . ( 2 ) انظر سيرة ابن هشام 1 / 399 ، 400 .