ابن كثير
32
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
حري ، فائتني بما وعدتني ، قال : لك كل مشرك ومشركة ، وكافر وكافرة ، وكل خبيث وخبيثة ، وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب ، قالت : قد رضيت . قال : ثم سار حتى أتى بيت المقدس فنزل فربط فرسه إلى الصخرة ، ثم دخل فصلى مع الملائكة ، فلما قضيت الصلاة قالوا ، يا جبريل من هذا معك ؟ قال : محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، قالوا : أوقد أرسل إليه فقال : نعم ، قالوا : حياه اللّه من أخ ومن خليفة فنعم الأخ ، ونعم الخليفة ، ونعم المجيء جاء . قال : ثم لقي أرواح الأنبياء فأثنوا على ربهم ، فقال إبراهيم عليه السلام : الحمد للّه الذي اتخذني خليلا ، وأعطاني ملكا عظيما ، وجعلني أمة قانتا يؤتم بي ، وأنقذني من النار وجعلها علي بردا وسلاما ، ثم إن موسى عليه السلام أثنى على ربه فقال : الحمد للّه الذي كلمني تكليما ، وجعل هلاك آل فرعون ونجاة بني إسرائيل على يدي ، وجعل من أمتي قوما يهدون بالحق وبه يعدلون ، ثم إن داود عليه السلام أثنى على ربه ، فقال : الحمد للّه الذي جعل لي ملكا عظيما ، وعلمني الزبور ، وألان لي الحديد ، وسخر لي الجبال يسبحن والطير ، وأعطاني الحكمة وفصل الخطاب . ثم إن سليمان عليه السلام أثنى على ربه ، فقال : الحمد للّه الذي سخر لي الرياح وسخر لي الشياطين يعملون لي ما شئت من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات ، وعلمني منطق الطير ، وآتاني من كل شيء فضلا ، وسخر لي جنود الشياطين والإنس والطير ، وفضلني على كثير من عباده المؤمنين ، وآتاني ملكا عظيما لا ينبغي لأحد من بعدي ، وجعل ملكي طيبا ليس فيه حساب . ثم إن عيسى عليه السلام أثنى على ربه عز وجل ، فقال : الحمد للّه الذي جعلني كلمته ، وجعل مثلي كمثل آدم خلقه من تراب ، ثم قال له كن فيكون ، وعلمني الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ، وجعلني أخلق من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن اللّه ، وجعلني أبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن اللّه ، ورفعني وطهرني ، وأعاذني وأمي من الشيطان الرجيم ، فلم يكن للشيطان علينا سبيل . قال : ثم إن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم أثنى على ربه عز وجل ، فقال : « كلكم أثنى على ربه ، وإني مثن على ربي ، فقال : الحمد للّه الذي أرسلني رحمة للعالمين وكافة للناس بشيرا ونذيرا ، وأنزل علي الفرقان فيه بيان لكل شيء وجعل أمتي خير أمة أخرجت للناس ، وجعل أمتي أمة وسطا وجعل أمتي هم الأولون وهم الآخرون ، وشرح لي صدري ووضع عني وزري ، ورفع لي ذكري ، وجعلني فاتحا وخاتما » فقال إبراهيم عليه السلام : بهذا فضلكم محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . قال أبو جعفر الرازي : خاتم بالنبوة فاتح بالشفاعة يوم القيامة ، ثم أتي بآنية ثلاثة مغطاة أفواهها ، فأتي بإناء منها فيه ماء ، فقيل له : اشرب ، فشرب منه يسيرا ، ثم دفع إليه إناء آخر فيه