ابن كثير
273
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
الدنيا والآخرة وحسن العاقبة ، كما شاهدتم من نصرته إياكم على عدوكم وإظهاركم عليه وغير ذلك من أيادي اللّه . أَ فَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أي في انتظار ما وعدكم اللّه ونسيان ما سلف من نعمه وما بالعهد من قدم ، أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ أم هاهنا بمعنى بل ، وهي للإضراب عن الكلام الأول وعدول إلى الثاني ، كأنه يقول : بل أردتم بصنيعكم هذا أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي ، قالوا أي بنو إسرائيل في جواب ما أنبهم موسى وقرعهم ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا أي عن قدرتنا واختيارنا ، ثم شرعوا يعتذرون بالعذر البارد ، يخبرونه عن تورعهم عما كان بأيديهم من حلي القبط الذي كانوا قد استعاروه منهم حين خرجوا من مصر ، فقذفناها أي ألقيناها عنا . وقد تقدم في حديث الفتون أن هارون عليه السلام هو الذي كان أمرهم بإلقاء الحلي في حفرة فيها نار ، وهي في رواية السدي عن أبي مالك عن ابن عباس ، إنما أراد هارون أن يجتمع الحلي كله في تلك الحفيرة ، ويجعل حجرا واحدا ، حتى إذا رجع موسى عليه السلام ، رأى فيه ما يشاء ثم جاء ذلك السامري فألقى عليها تلك القبضة التي أخذها من أثر الرسول ، وسأل من هارون أن يدعو اللّه أن يستجيب له في دعوته ، فدعا له هارون وهو لا يعلم ما يريد فأجيب له ، فقال السامري عند ذلك : أسأل اللّه أن يكون عجلا ، فكان عجلا له خوار أي صوت استدراجا ، وإمهالا ومحنة واختبارا ، ولهذا قال : فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عبادة بن البختري ، حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا حماد عن سماك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن هارون مر بالسامري وهو ينحت العجل ، فقال له : ما تصنع ؟ فقال : أصنع ما يضر ولا ينفع ، فقال هارون : اللهم أعطه ما سأل على ما في نفسه ، ومضى هارون . وقال السامري : اللهم إني أسألك ان يخور فخار ، فكان إذا خار سجدوا له ، وإذا خار رفعوا رؤوسهم . ثم رواه من وجه آخر عن حماد وقال : أعمل ما ينفع ولا يضر . وقال السدي كان يخور ويمشي فقالوا : أي الضّلال منهم الذين افتتنوا بالعجل وعبدوه : هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ أي نسيه هاهنا وذهب يتطلبه ، كذا تقدم في حديث الفتون عن ابن عباس ، وبه قال مجاهد ، وقال سماك عن عكرمة عن ابن عباس : فَنَسِيَ ، أي نسي أن يذكركم أن هذا إلهكم . وقال محمد بن إسحاق عن حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فقال : هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى قال : فعكفوا عليه وأحبوه حبا لم يحبوا شيئا قط يعني مثله ، يقول اللّه : فَنَسِيَ أي ترك ما كان عليه من الإسلام يعني السامري . قال اللّه تعالى ردا عليهم وتقريعا لهم وبيانا لفضيحتهم وسخافة عقولهم فيما ذهبوا إليه : أَ فَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ