ابن كثير
265
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
يقول تعالى مخبرا عن فرعون أنه لما تواعد هو وموسى عليه السلام إلى وقت ومكان معلومين تولى ، أي شرع في جمع السحرة من مدائن مملكته ، كل من ينسب إلى السحر في ذلك الزمان ، وقد كان السحر فيهم كثيرا نافقا جدا ، كما قال تعالى : وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ [ القصص : 79 ] ثُمَّ أَتى ، أي اجتمع الناس لميقات يوم معلوم وهو يوم الزينة ، وجلس فرعون على سرير مملكته ، واصطف له أكابر دولته ، ووقفت الرعايا يمنة ويسرة ، وأقبل موسى عليه الصلاة والسلام متوكئا على عصاه ومعه أخوه هارون ، ووقف السحرة بين يدي فرعون صفوفا ، وهو يحرضهم ويحثهم ويرغبهم في إجادة عملهم في ذلك اليوم ، ويتمنون عليه وهو يعدهم ويمنيهم ، يقولون أَ إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ [ الشعراء : 41 - 42 ] قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً أي لا تخيلوا للناس بأعمالكم إيجاد أشياء لا حقائق لها وأنها مخلوقة ، وليست مخلوقة ، فتكونون قد كذبتم على اللّه فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ أي يهلككم بعقوبة هلاكا لا بقية له وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ قيل معناه أنهم تشاجروا فيما بينهم ، فقائل يقول ليس هذا بكلام ساحر إنما هذا كلام نبي ، وقائل يقول بل هو ساحر ، وقيل غير ذلك ، واللّه أعلم . وقوله : وَأَسَرُّوا النَّجْوى أي تناجوا فيما بينهم قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ وهذه لغة لبعض العرب ، جاءت هذه القراءة على إعرابها ، ومنهم من قرأ « إن هذين لساحران » وهذه اللغة المشهورة ، وقد توسع النحاة في الجواب عن القراءة الأولى بما ليس هذا موضعه . والغرض أن السحرة قالوا فيما بينهم : تعلمون أن هذا الرجل وأخاه - يعنون موسى وهارون - ساحران عالمان ، خبيران بصناعة السحر ، يريدان في هذا اليوم أن يغلباكم وقومكم ويستوليا على الناس ، وتتبعهما العامة ، ويقاتلا فرعون وجنوده ، فينتصرا عليه ، ويخرجاكم من أرضكم . وقوله : وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى أي ويستبدا بهذه الطريقة وهي السحر ، فإنهم كانوا معظمين بسببها لهم أموال وأرزاق عليها ، يقولون : إذا غلب هذان أهلكاكم وأخرجاكم من الأرض ، وتفردا بذلك وتمحضت لهما الرياسة بها دونكم ، وقد تقدم في حديث الفتون أن ابن عباس قال في قوله : وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى يعني ملكهم الذي هم فيه والعيش . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا نعيم بن حماد ، حدثنا هشيم عن عبد الرحمن بن إسحاق ، سمع الشعبي يحدث عن علي في قوله : وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى قال : يصرفا وجوه الناس إليهما . وقال مجاهد وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى قال : أولو الشرف والعقل والأسنان . وقال أبو صالح : بطريقتكم المثلى أشرافكم وسرواتكم . وقال عكرمة : بخيركم . وقال قتادة : وطريقتهم المثلى يومئذ بنو إسرائيل ، وكانوا أكثر القوم عددا وأموالا ، فقال عدو اللّه يريدان أن يذهبا بها لأنفسهما . وقال عبد الرحمن بن زيد : بطريقتكم المثلى بالذي أنتم عليه . فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا أي اجتمعوا كلكم صفا واحدا ، وألقوا ما في أيديكم مرة واحدة لتبهروا