ابن كثير
212
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
جاءه وقال ابن شوذب : بلغني أنه اتخذ ذلك الموضع مسكنا . وقد روى أبو داود في سننه ، وأبو بكر محمد بن جعفر الخرائطي في كتابه مكارم الأخلاق ، من طريق إبراهيم بن طهمان عن بديل بن ميسرة عن عبد الكريم يعني ابن عبد اللّه بن شقيق ، عن أبيه عن عبد اللّه بن أبي الحمساء ، قال : بايعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قبل أن يبعث ، فبقيت له علي بقية ، فوعدته أن آتيه بها في مكانه ذلك ، قال : فنسيت يومي والغد ، فأتيته في اليوم الثالث وهو في مكانه ذلك ، فقال لي : « يا فتى لقد شققت عليّ ، أنا هاهنا منذ ثلاث أنتظرك » « 1 » لفظ الخرائطي وساق آثارا حسنة في ذلك ، ورواه ابن مندة أبو عبد اللّه في كتاب معرفة الصحابة بإسناده عن إبراهيم بن طهمان ، عن بديل بن ميسرة عن عبد الكريم به . وقال بعضهم : إنما قيل له : صادِقَ الْوَعْدِ لأنه قال لأبيه : سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [ الصافات : 102 ] فصدق في ذلك ، فصدق الوعد من الصفات الحميدة كما أن خلفه من الصفات الذميمة ، قال اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ [ الصف : 2 - 3 ] وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا أؤتمن خان » « 2 » ولما كانت هذه صفات المنافقين ، كان التلبس بضدها من صفات المؤمنين ، ولهذا أثنى اللّه على عبده ورسوله إسماعيل بصدق الوعد ، وكذلك كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم صادق الوعد أيضا لا يعد أحدا شيئا إلا وفي له به ، وقد أثنى على أبي العاص بن الربيع زوج ابنته زينب ، فقال : « حدثني فصدقني ، ووعدني فوفى لي » « 3 » ولما توفي النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال الخليفة أبو بكر الصديق : من كان له عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عدة أو دين فليأتني أنجز له ، فجاء جابر بن عبد اللّه فقال إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « لو كان جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا » يعني ملء كفيه ، فلما جاء مال البحرين أمر الصديق جابرا فغرف بيديه من المال ، ثم أمره بعده فإذا هو خمسمائة درهم فأعطاه مثليها معها . وقوله : وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا في هذا دلالة على شرف إسماعيل على أخيه إسحاق ، لأنه إنما وصف بالنبوة فقط ، وإسماعيل وصف بالنبوة والرسالة . وقد ثبت في صحيح مسلم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « إن اللّه اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل » « 4 » وذكر تمام الحديث ، فدل على صحة ما قلناه . وقوله : وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا هذا أيضا من الثناء الجميل والصفة الحميدة ، والخلة السديدة ، حيث كان مثابرا على طاعة ربه عز وجل ،
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في الأدب باب 82 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الشهادات باب 28 ، ومسلم في الإيمان حديث 107 ، 109 . ( 3 ) أخرجه البخاري في الشروط باب 6 ، والشهادات باب 28 ، وفضائل أصحاب النبي باب 16 ، ومسلم في فضائل الصحابة حديث 95 . ( 4 ) أخرجه مسلم في الفضائل حديث 1 ، والترمذي في المناقب باب 1 ، وأحمد في المسند 4 / 107 .