ابن كثير
199
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
نهر تشرب منه . وقال مجاهد : هو النهر بالسريانية . وقال سعيد بن جبير : السري النهر الصغير بالنبطية . وقال الضحاك : هو النهر الصغير بالسريانية . وقال إبراهيم النخعي : هو النهر الصغير . وقال قتادة : هو الجدول بلغة أهل الحجاز ، وقال وهب بن منبه : السري هو ربيع الماء . وقال السدي : هو النهر ، واختار هذا القول ابن جرير . وقد ورد في ذلك حديث مرفوع ، فقال الطبراني : حدثنا أبو شعيب الحراني ، حدثنا يحيى بن عبد اللّه البابلتي ، حدثنا أيوب بن نهيك ، سمعت عكرمة مولى ابن عباس يقول ، سمعت ابن عمر يقول : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « إن السري الذي قال اللّه لمريم قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا نهر أخرجه اللّه لتشرب منه » وهذا حديث غريب جدا من هذا الوجه . وأيوب بن نهيك هذا هو الحبلى ، قال فيه أبو حاتم الرازي : ضعيف . وقال أبو زرعة : منكر الحديث . وقال أبو الفتح الأزدي : متروك الحديث . وقال آخرون المراد بالسري عيسى عليه السلام ، وبه قال الحسن والربيع بن أنس ومحمد بن عباد بن جعفر ، وهو إحدى الروايتين عن قتادة ، وقول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم والقول الأول أظهر . ولهذا قال بعده : وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ أي وخذي إليك بجذع النخلة . قيل : كانت يابسة ، قاله ابن عباس . وقيل : مثمرة . قال مجاهد : كانت عجوة . وقال الثوري عن أبي داود نفيع الأعمى : كانت صرفانة ، والظاهر أنها كانت شجرة ، ولكن لم تكن في إبان ثمرها ، قاله وهب بن منبه ، ولهذا امتن عليها بذلك بأن جعل عندها طعاما وشرابا فقال : تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً أي طيبي نفسا ، ولهذا قال عمرو بن ميمون : ما من شيء خير للنفساء من التمر والرطب ، ثم تلا هذه الآية الكريمة . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا شيبان ، حدثنا مسرور بن سعيد التميمي ، حدثنا عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي عن عروة بن رويم ، عن علي بن أبي طالب قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « أكرموا عمتكم النخلة ، فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم عليه السلام ، وليس من الشجر شيء يلقح غيرها » وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « أطعموا نساءكم الولد الرطب ، فإن لم يكن رطب فتمر ، وليس من الشجر شجرة أكرم على اللّه من شجرة نزلت تحتها مريم بنت عمران » هذا حديث منكر جدا ورواه أبو يعلى عن شيبان به . وقرأ بعضهم تُساقِطْ بتشديد السين ، وآخرون بتخفيفها . وقرأ أبو نهيك تسقط عليك رطبا جنيا وروى أبو إسحاق عن البراء أنه قرأها يسّاقط أي الجذع ، والكل متقارب . وقوله : فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً أي مهما رأيت من أحد فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا المراد بهذا القول الإشارة إليه بذلك ، لا أن المراد به القول اللفظي لئلا ينافي فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا قال أنس بن مالك في قوله : إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ