ابن كثير

194

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

بين القصتين لتقارب ما بينهما في المعنى ، ليدل عباده على قدرته وعظمة سلطانه ، وأنه على ما يشاء قادر ، فقال وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ وهي مريم بنت عمران من سلالة داود عليه السلام . وكانت من بيت طاهر طيب في بني إسرائيل ، وقد ذكر اللّه تعالى قصة ولادة أمها لها في سورة آل عمران ، وأنها نذرتها محررة ، أي تخدم مسجد بيت المقدس ، وكانوا يتقربون بذلك فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً [ آل عمران : 37 ] ونشأت في بني إسرائيل نشأة عظيمة ، فكانت إحدى العابدات الناسكات المشهورات بالعبادة العظيمة والتبتل والدؤوب ، وكانت في كفالة زوج أختها زكريا نبي بني إسرائيل إذ ذاك ، وعظيمهم الذي يرجعون إليه في دينهم ، ورأى لها زكريا من الكرامات الهائلة ما بهره . كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ [ آل عمران : 37 ] فذكر أنه كان يجد عندها ثمر الشتاء في الصيف ، وثمر الصيف في الشتاء ، كما تقدم بيانه في سورة آل عمران ، فلما أراد اللّه تعالى وله الحكمة والحجة البالغة ، أن يوجد منها عبده ورسوله عيسى عليه السلام أحد الرسل أولي العزم الخمسة العظام انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا أي اعتزلتهم وتنحت عنهم ، وذهبت إلى شرق المسجد المقدس . وقال السدي لحيض أصابها ، وقيل لغير ذلك . قال أبو كدينة عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس قال : إن أهل الكتاب كتب عليهم الصلاة إلى البيت والحج إليه ، وما صرفهم عنه إلا قيل ربك : انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا قال : خرجت مريم مكانا شرقيا ، فصلوا قبل مطلع الشمس ، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير . وقال ابن جرير « 1 » أيضا : حدثنا إسحاق بن شاهين ، حدثنا خالد بن عبد اللّه عن داود عن عامر ، عن ابن عباس قال : إني لأعلم خلق اللّه لأي شيء اتخذت النصارى المشرق قبلة لقول اللّه تعالى : انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا واتخذوا ميلاد عيسى قبلة . وقال قتادة مَكاناً شَرْقِيًّا شاسعا منتحيا ، وقال محمد بن إسحاق : ذهبت بقلتها لتستقي الماء . وقال نوف البكالي : اتخذت لها منزلا تتعبد فيه ، فاللّه أعلم . وقوله : فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً أي استترت منهم وتوارت ، فأرسل اللّه تعالى إليها جبريل عليه السلام فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا أي على صورة إنسان تام كامل . قال مجاهد والضحاك وقتادة وابن جريج ووهب بن منبه والسدي في قوله : فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا يعني جبرائيل عليه السلام ، وهذا الذي قالوه هو ظاهر القرآن ، فإنه تعالى قد قال في الآية الأخرى : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ [ الشعراء : 193 - 194 ] وقال أبو جعفر

--> ( 1 ) تفسير الطبري 8 / 319 .