ابن كثير
192
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وقوله : وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا يقول : ورحمة من عندنا ، وكذا قال عكرمة وقتادة والضحاك وزاد : لا يقدر عليها غيرنا ، وزاد قتادة : رحم اللّه بها زكريا . وقال مجاهد : وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وتعطفا من ربه عليه . وقال عكرمة : وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا قال : محبة عليه . وقال ابن زيد أما الحنان فالمحبة ، وقال عطاء بن أبي رباح : وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا قال : تعظيما من لدنا ، وقال ابن جريج : أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع عكرمة عن ابن عباس أنه قال : لا واللّه ما أدري ما حنانا « 1 » . وقال ابن جرير « 2 » : حدثنا ابن حميد ، حدثنا جرير عن منصور ، سألت سعيد بن جبير عن قوله : وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا فقال : سألت عنها ابن عباس فلم يجد فيها شيئا ، والظاهر من السياق أن قوله وحنانا معطوف على قوله وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا أي وآتيناه الحكم وحنانا وزكاة ، أي وجعلناه ذا حنان وزكاة ، فالحنان هو المحبة في شفقة وميل ، كما تقول العرب : حنت الناقة على ولدها وحنت المرأة على زوجها ، ومنه سميت المرأة حنة من الحنّة ، وحن الرجل إلى وطنه ، ومنه التعطف والرحمة ، كما قال الشاعر : [ المتقارب ] تحنّن عليّ هداك المليك * فإن لكلّ مقام مقالا « 3 » وفي المسند للإمام أحمد « 4 » عن أنس رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال « يبقى رجل في النار ينادي ألف سنة : يا حنان يا منان » وقد يثني ، ومنهم من يجعل ما ورد في ذلك لغة بذاتها ، كما قال طرفة : [ الطويل ] أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا * حنانيك بعض الشرّ أهون من بعض « 5 » وقوله : وَزَكاةً معطوف على وحنانا ، فالزكاة الطهارة من الدنس والآثام والذنوب ، وقال قتادة : الزكاة العمل الصالح ، وقال الضحاك وابن جريج : العمل الصالح الزكي . وقال العوفي عن ابن عباس وَزَكاةً قال : بركة ، وَكانَ تَقِيًّا ذا طهر فلم يهمّ بذنب . وقوله وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا لما ذكر تعالى طاعته لربه ، وأنه خلقه ذا رحمة
--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 8 / 316 . ( 2 ) هذا الأثر لم أجده بهذا اللفظ في تفسير الطبري . ( 3 ) البيت للحطيئة في ديوانه ص 72 ، وتخليص الشواهد ص 206 ، والدرر 3 / 64 ، ولسان العرب ( قول ) ، ( حنن ) ، وتاج العروس ( قول ) ، ( حنن ) ، وبلا نسبة في العقد الفريد 5 / 493 ، والمقتضب 3 / 224 ، وهمع الهوامع 1 / 189 ، وتفسير الطبري 8 / 317 . ( 4 ) المسند 3 / 230 . ( 5 ) البيت في ديوان طرفة بن العبد ص 66 ، والدرر 3 / 67 ، والكتاب 1 / 348 ، ولسان العرب ( حنن ) وهمع الهوامع 1 / 190 ، وتاج العروس ( حنن ) ، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص 1273 ، وشرح المفصل 1 / 118 ، والمقتضب 3 / 224 .