ابن كثير
184
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه ، عن جده قال : كنا نتناوب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فنبيت عنده تكون له حاجة أو يطرقه أمر من الليل فيبعثنا ، فكثر المحتسبون وأهل النوب ، فكنا نتحدث فخرج علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال : « ما هذه النجوى ؟ » قال : فقلنا : تبنا إلى اللّه أي نبي اللّه ، إنما كنا في ذكر المسيح وفرقنا منه فقال ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم من المسيح عندي قال قلنا بلى ، فقال : « الشرك الخفي أن يقوم الرجل يصلي لمكان الرجل » . وقال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا أبو النضر ، حدثنا عبد الحميد يعني ابن بهرام قال : قال شهر ابن حوشب : قال ابن غنم : لما دخلنا مسجد الجابية أنا وأبو الدرداء ، لقينا عبادة بن الصامت فأخذ يميني بشماله ، وشمال أبي الدرداء بيمينه ، فخرج يمشي بيننا ونحن نتناجى ، واللّه أعلم بما نتناجى به ، فقال عبادة بن الصامت : إن طال بكما عمر أحدكما أو كليكما لتوشكان أن تريا الرجل من ثبج المسلمين ، يعني من وسط قرأ القرآن على لسان محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، فأعاده وأبدأه وأحل حلاله وحرم حرامه ونزله عند منازله لا يحور فيكم إلا كما يحور رأس الحمار الميت . قال : فبينما نحن كذلك إذ طلع شداد بن أوس رضي اللّه عنه وعوف بن مالك فجلسا إلينا ، فقال شداد : إن أخوف ما أخاف عليكم أيها الناس لما سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « من الشهوة الخفية والشرك » فقال عبادة بن الصامت وأبو الدرداء : اللهم غفرا ألم يكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قد حدثنا أن الشيطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب . أما الشهوة الخفية فقد عرفناها هي شهوات الدنيا من نسائها وشهواتها ، فما هذا الشرك الذي تخوفنا به يا شداد ؟ فقال شداد : أرأيتكم لو رأيتم رجلا يصلي رجل أو يصوم لرجل أو يتصدق له ، أترون أنه قد أشرك ؟ قالوا : نعم واللّه إن من صلى لرجل أو صام أو تصدق له لقد أشرك ، فقال شداد فإني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : من صلى يرائي فقد أشرك ومن صام يرائي فقد أشرك ومن تصدق يرائي فقد أشرك فقال عوف بن مالك عند ذلك : أفلا يعمد إليه إلى ما ابتغى به وجهه من ذلك العمل كله فيقبل ما خلص له ويدع ما أشرك به فقال شداد عند ذلك : فإني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « إن اللّه يقول : أنا خير قسيم لمن أشرك بي من أشرك بي شيئا ، فإن عمله قليله وكثيره لشريكه الذي أشرك به ، أنا عنه غني » . [ طريق أخرى لبعضه ] قال الإمام أحمد « 2 » : حدثنا زيد بن الحباب ، حدثني عبد الواحد بن زياد ، أخبرنا عبادة بن نسي عن شداد بن أوس رضي اللّه عنه أنه بكى ، فقيل له : ما يبكيك ؟ قال شيء سمعته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فأبكاني ، سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « أتخوف على أمتي الشرك والشهوة الخفية » قلت : يا رسول اللّه أتشرك أمتك من بعدك ؟ قال : « نعم أما إنهم لا يعبدون شمسا ولا قمرا ولا حجرا ولا وثنا ، ولكن يراءون بأعمالهم ، والشهوة الخفية أن
--> ( 1 ) المسند 4 / 125 ، 126 . ( 2 ) المسند 4 / 123 ، 124 .