ابن كثير
171
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
رواه شعبة عن القاسم بن أبي بزة عن أبي الطفيل سمع عليا يقول ذلك . ويقال : إنه سمي ذا القرنين لأنه بلغ المشارق والمغارب من حيث يطلع قرن الشمس ويغرب . وقوله : إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ أي أعطيناه ملكا عظيما ممكنا فيه من جميع ما يؤتى الملوك من التمكين والجنود وآلات الحرب والحصارات ، ولهذا ملك المشارق والمغارب من الأرض ، ودانت له البلاد ، وخضعت له ملوك العباد ، وخدمته الأمم من العرب والعجم ، ولهذا ذكر بعضهم أنه إنما سمي ذا القرنين لأنه بلغ قرني الشمس مشرقها ومغربها . وقوله : وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والسدي وقتادة والضحاك وغيرهم : يعني علما . وقال قتادة أيضا في قوله وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً قال : منازل الأرض وأعلامها . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله : وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً قال : تعليم الألسنة ، قال : كان لا يغزو قوما إلا كلمهم بلسانهم ، وقال ابن لهيعة ، حدثني سالم بن غيلان عن سعيد بن أبي هلال أن معاوية بن أبي سفيان قال لكعب الأحبار : أنت تقول : إن ذا القرنين كان يربط خيله بالثريا ؟ فقال له كعب : إن كنت قلت ذلك فإن اللّه تعالى قال : وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً وهذا الذي أنكره معاوية رضي اللّه عنه على كعب الأحبار هو الصواب ، والحق مع معاوية في ذلك الإنكار ، فإن معاوية كان يقول عن كعب : إن كنا لنبلو عليه الكذب ، يعني فيما ينقله ، لا أنه كان يتعمد نقل ما ليس في صحفه ، ولكن الشأن في صحفه أنها من الإسرائيليات التي غالبها مبدل مصحف محرف مختلق ، ولا حاجة لنا مع خبر اللّه تعالى ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى شيء منها بالكلية ، فإنه دخل منها على الناس شر كثير وفساد عريض . وتأويل كعب قول اللّه وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً واستشهاده في ذلك على ما يجده في صحفه من أنه كان يربط خيله بالثريا غير صحيح ولا مطابق ، فإنه لا سبيل للبشر إلى شيء من ذلك ، ولا إلى الترقي في أسباب السماوات ، وقد قال اللّه في حق بلقيس وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [ النمل : 23 ] أنه مما يؤتى مثلها من الملوك ، وهكذا ذو القرنين ، يسر اللّه له الأسباب ، أي الطرق والوسائل إلى فتح الأقاليم والرساتيق والبلاد والأراضي ، وكسر الأعداء وكبت ملوك الأرض وإذلال أهل الشرك قد أوتي من كل شيء مما يحتاج إليه مثله سببا واللّه أعلم . وفي المختارة للحافظ الضياء المقدسي من طريق قتيبة عن أبي عوانة عن سماك بن حرب عن حبيب بن حماز قال : كنت عند علي رضي اللّه عنه وسأله رجل عن ذي القرنين كيف بلغ المشرق والمغرب ؟ فقال سبحان اللّه سخر له السحاب وقدر له الأسباب وبسط له اليد .