ابن كثير
158
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
بمكتل ، فحيثما فقدت الحوت فهو ثم ، فأخذ حوتا فجعله بمكتل ، ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون عليه السلام ، حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رأسيهما فناما ، واضطرب الحوت في المكتل ، فخرج منه فسقط في البحر فاتخذ سبيله في البحر سربا ، وأمسك اللّه عن الحوت جرية الماء ، فصار عليه مثل الطاق . فلما استيقظ ، نسي صاحبه أن يخبره بالحوت ، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه : آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره اللّه به ، قال له فتاه : أَ رَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً قال : فكان الحوت سربا ، ولموسى وفتاه عجبا ، فقال ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً قال : فرجعا يقصان أثرهما حتى انتهيا إلى الصخرة ، فإذا رجل مسجى بثوب ، فسلم عليه موسى فقال الخضر : وأنى بأرضك السلام . فقال : أنا موسى . فقال : موسى بني إسرائيل ؟ قال : نعم قال أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً يا موسى إني على علم من علم اللّه علمنيه لا تعلمه أنت وأنت على علم من علم اللّه علمكه اللّه لا أعلمه . فقال موسى سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً قال له الخضر : فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً . فانطلقا يمشيان على ساحل البحر فمرت سفينة ، فكلموهم أن يحملوهم ، فعرفوا الخضر فحملوهم بغير نول ، فلما ركبا في السفينة لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقدوم ، فقال له موسى : قد حملونا بغير نول ، فعمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها ؟ لقد جئت شيئا إمرا قالَ أَ لَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً قال : وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعلى آله - فكانت الأولى من موسى نسيانا ، قال : وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة ، فنقر في البحر نقرة أو نقرتين فقال له الخضر : ما علمي وعلمك في علم اللّه إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر . ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان ، فأخذ الخضر رأسه فاقتلعه بيده فقتله ، فقال له موسى أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً قال : وهذه أشد من الأولى ، قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ أي مائلا ، فقال الخضر بيده فَأَقامَهُ فقال موسى : قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص اللّه علينا من خبرهما » .