ابن كثير

140

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

أمية ، حدثني محمد بن حيي بن يعلى عن صفوان بن يعلى ، عن يعلى بن أمية قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « البحر هو جهنم » قال : فقيل له كيف ذلك ؟ فتلا هذه الآية ، أو قرأ هذه الآية ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها ثم قال « واللّه لا أدخلها أبدا أو ما دمت حيا لا تصيبني منها قطرة » . وقوله وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ الآية ، قال ابن عباس : المهل : الماء الغليظ مثل دردي الزيت « 1 » ، وقال مجاهد : هو كالدم والقيح . وقال عكرمة : هو الشيء الذي انتهى حره . وقال آخرون : هو كل شيء أذيب . وقال قتادة : أذاب ابن مسعود شيئا من الذهب في أخدود ، فلما انماع وأزبد ، قال : هذا أشبه شيء بالمهل . وقال الضحاك : ماء جهنم أسود وهي سوداء وأهلها سود ، وهذه الأقوال ليس شيء منها ينفي الآخر ، فإن المهل يجمع هذه الأوصاف الرذيلة كلها ، فهو أسود منتن غليظ حار ، ولهذا قال : يَشْوِي الْوُجُوهَ أي من حره ، إذا أراد الكافر أن يشربه وقربه من وجهه شواه حتى تسقط جلدة وجهه فيه . كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد « 2 » بإسناده المتقدم في سرادق النار عن أبي سعيد الخدري عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « ماء كالمهل - قال - كعكر الزيت فإذا قربه إليه سقطت فروة وجهه فيه » وهكذا رواه الترمذي « 3 » في صفة النار من جامعه من حديث رشدين بن سعد عن عمرو بن الحارث ، عن دراج به ، ثم قال : لا نعرفه إلا من حديث رشدين ، وقد تكلم فيه من قبل حفظه هكذا ، قال : وقد رواه الإمام أحمد كما تقدم عن حسن الأشيب ، عن ابن لهيعة ، عن دراج ، واللّه أعلم . وقال عبد اللّه بن المبارك وبقية بن الوليد : عن صفوان بن عمرو ، عن عبد اللّه بن يسر ، عن أبي أمامة ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في قوله : وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ ، قال : « يقرب إليه فيتكرهه ، فإذا قرب منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه ، فإذا شربه قطع أمعاءه ، يقول اللّه تعالى : وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ « 4 » . وقال سعيد بن جبير : إذا جاع أهل النار استغاثوا ، فأغيثوا بشجرة الزقوم فيأكلون منها ، فاختلت جلود وجوههم ، فلو أن مارا مر بهم يعرفهم ، لعرف جلود وجوههم فيها ، ثم يصب عليهم العطش فيستغيثون ، فيغاثون بماء كالمهل وهو الذي قد انتهى حره ، فإذا أدنوه من أفواههم اشتوى من حره لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود ، ولهذا قال تعالى بعد وصفه هذا الشراب بهذه الصفات الذميمة القبيحة بِئْسَ الشَّرابُ أي بئس هذا الشراب ، كما قال في الآية الأخرى وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ [ محمد : 15 ] وقال تعالى : تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ

--> ( 1 ) تفسير الطبري 8 / 219 . ( 2 ) المسند 3 / 70 ، 71 . ( 3 ) كتاب صفة جهنم باب 4 . ( 4 ) أخرجه الترمذي في تفسير سورة 70 ، وأحمد في المسند 5 / 265 .