ابن كثير

137

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

هي شاذة بالنسبة إلى قراءة الجمهور ، فلا يحتج بها ، واللّه أعلم . وقوله : أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ أي أنه لبصير بهم سميع لهم ، قال ابن جرير « 1 » : وذلك في معنى المبالغة في المدح ، كأنه قيل : ما أبصره وأسمعه ، وتأويل الكلام ما أبصر اللّه لكل موجود ، وأسمعه لكل مسموع ، لا يخفى عليه من ذلك شيء . ثم روي عن قتادة في قوله : أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ فلا أحد أبصر من اللّه ولا أسمع . وقال ابن زيد أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ يرى أعمالهم ويسمع ذلك منهم سميعا بصيرا . وقوله : ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً أي أنه تعالى هو الذي له الخلق والأمر ، الذي لا معقب لحكمه ، وليس له وزير ولا نصير ولا شريك ولا مشير ، تعالى وتقدس . [ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 27 إلى 28 ] وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً ( 27 ) وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ( 28 ) يقول تعالى آمرا رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بتلاوة كتابه العزيز وإبلاغه إلى الناس لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ أي لا مغير لها ولا محرّف ولا مزيل . وقوله : وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً عن مجاهد ملتحدا قال : ملجأ . وعن قتادة : وليا ولا مولى . قال ابن جرير : يقول إن أنت يا محمد لم تتل ما أوحي إليك من كتاب ربك ، فإنه لا ملجأ لك من اللّه ، كما قال تعالى : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [ المائدة : 67 ] وقال : إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ [ القصص : 85 ] أي سائلك عما فرض عليك من إبلاغ الرسالة . وقوله : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ أي اجلس مع الذين يذكرون اللّه ويهللونه ويحمدونه ويسبحونه ويكبرونه ويسألونه بكرة وعشيا ، من عباد اللّه سواء كانوا فقراء أو أغنياء ، أو أقوياء أو ضعفاء ، أو ضعفاء يقال : إنها نزلت في أشراف قريش حين طلبوا من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يجلس معهم ، وحده ، ولا يجالسهم بضعفاء أصحابه ، كبلال وعمار وصهيب وخباب وابن مسعود ، وليفرد أولئك بمجلس على حدة ، فنهاه اللّه عن ذلك فقال : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ الآية ، وأمره أن يصبر نفسه في الجلوس مع هؤلاء ، فقال وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ [ الأنعام : 52 ] الآية . وقال مسلم في صحيحه : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا محمد بن عبد اللّه الأسدي عن إسرائيل عن المقدام بن شريح عن أبيه عن سعد هو ابن أبي وقاص قال : كنا مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ستة نفر

--> ( 1 ) تفسير الطبري 8 / 212 .