ابن كثير

135

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

متلقى من أهل الكتاب ، وقد قال تعالى : فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً أي سهلا هينا ، فإن الأمر في معرفة ذلك لا يترتب عليه كبير فائدة وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً أي فإنهم لا علم لهم بذلك إلا ما يقولونه من تلقاء أنفسهم رجما بالغيب ، أي من غير استناد إلى كلام معصوم ، وقد جاءك اللّه يا محمد بالحق الذي لا شك فيه ولا مرية فيه ، فهو المقدم الحاكم على كل ما تقدمه من الكتب والأقوال . [ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 23 إلى 24 ] وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً ( 23 ) إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً ( 24 ) هذا إرشاد من اللّه تعالى لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الأدب فيما إذا عزم على شيء ليفعله في المستقبل أن يرد ذلك إلى مشيئة اللّه عز وجل ، علام الغيوب الذي يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون ، كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « قال سليمان بن داود عليهما السلام : لأطوفن الليلة على سبعين امرأة - وفي رواية : تسعين امرأة ، وفي رواية : مائة امرأة - تلد كل امرأة منهن غلاما يقاتل في سبيل اللّه ، فقيل له - وفي رواية قال له الملك : قل إن شاء اللّه ، فلم يقل ، فطاف بهم فلم يلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم - والذي نفسي بيده ، لو قال إن شاء اللّه لم يحنث ، وكان دركا لحاجته » وفي رواية « ولقاتلوا في سبيل اللّه فرسانا أجمعين » « 1 » وقد تقدم في أول السورة ذكر سبب نزول هذه الآية في قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما سئل عن قصة أصحاب الكهف « غدا أجيبكم » فتأخر الوحي خمسة عشر يوما ، وقد ذكرناه بطوله في أول السورة ، فأغنى عن إعادته . وقوله : وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ قيل معناه إذا نسيت الاستثناء ، فاستثن عند ذكرك له ، قاله أبو العالية والحسن البصري ، وقال هشيم عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس في الرجل يحلف قال : له أن يستثني ولو إلى سنة ، وكان يقول : وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ ذلك ، قيل للأعمش : سمعته عن مجاهد ؟ فقال : حدثني به ليث بن أبي سليم يرى ذهب كسائي هذا ، ورواه الطبراني من حديث أبي معاوية عن الأعمش به . ومعنى قول ابن عباس أنه يستثني ولو بعد سنة ، أي إذا نسي أن يقول في حلفه أو في كلامه إن شاء اللّه ؟ ؟ ؟ وذكر ولو بعد سنة ، فالسنة له أن يقول ذلك ، ليكون آتيا بسنة الاستثناء حتى ولو كان بعد الحنث ، قاله ابن جرير رحمه اللّه ، ونص على ذلك لا أن يكون رافعا لحنث اليمين ومسقطا للكفارة ، وهذا الذي قاله ابن جرير رحمه اللّه هو الصحيح ، وهو الأليق بحمل كلام ابن عباس عليه ، واللّه أعلم . وقال عكرمة وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ إذا غضبت وهذا تفسير باللازم . وقال الطبراني :

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الأيمان باب 3 ، والكفارات باب 9 ، ومسلم في الإيمان حديث 23 ، 24 .