ابن كثير

116

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

الثمرات والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ، التي فيها حجج وبراهين على فرعون وقومه ، وخوارق ودلائل على صدق موسى ووجود الفاعل المختار الذي أرسله ، وليس المراد منها كما ورد في هذا الحديث ، فإن هذه الوصايا ليس فيها حجج على فرعون وقومه ، وأي مناسبة بين هذا وبين إقامة البراهين على فرعون ؟ وما جاءهم هذا الوهم إلا من قبل عبد اللّه بن سلمة ، فإن له بعض ما ينكر ، واللّه أعلم . ولعل ذينك اليهوديين إنما سألا عن العشر الكلمات فاشتبه على الراوي بالتسع الآيات فحصل وهم في ذلك ، واللّه أعلم . وقوله : فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ أي يخليهم منها ويزيلهم عنها ، فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ وفي هذا بشارة لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم بفتح مكة مع أن السورة مكية نزلت قبل الهجرة ، وكذلك فإن أهل مكة هموا بإخراج الرسول منها ، كما قال تعالى : وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها الآيتين ، ولهذا أورث اللّه رسوله مكة فدخلها عنوة على أشهر القولين ، وقهر أهلها ثم أطلقهم حلما وكرما ، كما أورث اللّه القوم الذين كانوا يستضعفون من بني إسرائيل مشارق الأرض ومغاربها ، وأورثهم بلاد فرعون وأموالهم وزروعهم وثمارهم وكنوزهم ، كما قال كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ [ الشعراء : 59 ] ، وقال هاهنا وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً أي جميعكم أنتم وعدوكم ، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك : لفيفا أي جميعا . [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 105 إلى 106 ] وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً ( 105 ) وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً ( 106 ) يقول تعالى مخبرا عن كتابه العزيز وهو القرآن المجيد أنه بالحق نزل ، أي متضمنا للحق ، كما قال تعالى : لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ [ النساء : 166 ] أي متضمنا علم اللّه الذي أراد أن يطلعكم عليه من أحكامه وأمره ونهيه . وقوله وَبِالْحَقِّ نَزَلَ أي ونزل إليك يا محمد محفوظا محروسا لم يشب بغيره ولا زيد فيه ولا نقص منه ، بل وصل إليك بالحق ، فإنه نزل به شديد القوى الأمين المكين المطاع في الملأ الأعلى . وقوله : وَما أَرْسَلْناكَ أي يا محمد إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً مبشرا لمن أطاعك من المؤمنين ونذيرا لمن عصاك من الكافرين . وقوله : وَقُرْآناً فَرَقْناهُ أما قراءة من قرأ بالتخفيف فمعناه فصلناه من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا ، ثم نزل مفرقا منجما على الوقائع إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في ثلاث وعشرين سنة ، قاله عكرمة عن ابن عباس وعن ابن عباس أيضا أنه قرأ : فرقناه بالتشديد ، أي أنزلناه آية آية مبينا ومفسرا ، ولهذا قال : لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ أي لتبلغه الناس وتتلوه عليهم ، أي عَلى مُكْثٍ أي مهل وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا أي شيئا بعد شيء .