ابن كثير

114

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً [ النساء : 53 ] أي لو أن لهم نصيبا في ملك اللّه لما أعطوا أحدا شيئا ولا مقدار نقير ، واللّه تعالى يصف الإنسان من حيث هو إلا من وفقه اللّه وهداه ، فإن البخل والجزع والهلع صفة له ، كما قال تعالى : إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً إِلَّا الْمُصَلِّينَ [ المعارج : 19 - 22 ] ولهذا نظائر كثيرة في القرآن العزيز ، ويدل هذا على كرمه وجوده وإحسانه ، وقد جاء في الصحيحين « يد اللّه ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار ، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض ، فإنه لم يغض ما في يمينه » « 1 » . [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 101 إلى 104 ] وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً ( 101 ) قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً ( 102 ) فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً ( 103 ) وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً ( 104 ) يخبر تعالى أنه بعث موسى بتسع آيات بينات وهي الدلائل القاطعة على صحة نبوته وصدقه فيما أخبر به عمن أرسله إلى فرعون ، وهي العصا واليد والسنين والبحر والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات ، قاله ابن عباس « 2 » . وقال محمد بن كعب : هي اليد والعصا ، والخمس في الأعراف والطمسة والحجر ، وقال ابن عباس أيضا ومجاهد وعكرمة والشعبي وقتادة : هي يده وعصاه والسنين ونقص الثمرات والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ، وهذا القول ظاهر جلي حسن قوي ، وجعل الحسن البصري السنين ونقص الثمرات واحدة ، وعنده أن التاسعة هي تلقف العصا ما يأفكون فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ * [ الأعراف : 133 ] أي ومع هذه الآيات ومشاهدتهم لها ، كفروا بها وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا ، وما نجعت فيهم : فكذلك لو أجبنا هؤلاء الذين سألوا منك ما سألوا ، وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا إلى آخرها ، لما استجابوا ولا آمنوا إلا أن يشاء اللّه ، كما قال فرعون لموسى وقد شاهد منه ما شاهد من هذه الآيات إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً قيل : بمعنى ساحر ، واللّه تعالى أعلم . فهذه الآيات التسع التي ذكرها هؤلاء الأئمة هي المراد هاهنا ، وهي المعنية في قوله تعالى : وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ - إلى قوله - فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ [ النمل : 10 - 12 ] فذكر هاتين الآيتين العصا واليد وبين الآيات الباقيات في سورة الأعراف وفصلها . وقد أوتي موسى عليه

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 11 ، باب 2 ، والتوحيد باب 19 ، 22 ، ومسلم في الزكاة حديث 37 ، والترمذي في تفسير سورة 5 ، باب 3 ، وأحمد في المسند 2 / 313 ، 500 . ( 2 ) تفسير الطبري 8 / 155 .