ابن كثير

107

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

هذا المسلك الذي طرقه وسلكه نظر ، واللّه أعلم . ثم ذكر السهيلي الخلاف بين العلماء في أن الروح هي النفس أو غيرها ، وقرر أنها ذات لطيفة كالهواء ، سارية في الجسد كسريان الماء في عروق الشجر ، وقرر أن الروح التي ينفخها الملك في الجنين هي النفس بشرط اتصالها بالبدن واكتسابها بسببه صفات مدح أو ذم ، فهي إما نفس مطمئنة أو أمارة بالسوء ، كما أن الماء هو حياة الشجر ثم يكسب بسبب اختلاطه معها اسما خاصا ، فإذا اتصل بالعنبة وعصر منها صار إما مصطارا « 1 » أو خمرا ، ولا يقال له ماء حينئذ إلا على سبيل المجاز ، وكذا لا يقال للنفس روح إلا على هذا النحو ، وكذا لا يقال للروح نفس إلا باعتبار ما تؤول إليه ، فحاصل ما نقول : إن الروح هي أصل النفس ومادتها ، والنفس مركبة منها ومن اتصالها بالبدن ، فهي هي من وجه لا من كل وجه ، وهذا معنى حسن ، واللّه أعلم . قلت : وقد تكلم الناس في ماهية الروح وأحكامها ، وصنفوا في ذلك كتبا ، ومن أحسن من تكلم على ذلك الحافظ ابن مندة في كتاب سمعناه في الروح . [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 86 إلى 89 ] وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلاً ( 86 ) إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً ( 87 ) قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ( 88 ) وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً ( 89 ) يذكر تعالى نعمته وفضله العظيم على عبده ورسوله الكريم صلّى اللّه عليه وسلّم فيما أوحاه إليه من القرآن المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد . قال ابن مسعود رضي اللّه عنه : يطرق الناس ريح حمراء ، يعني في آخر الزمان من قبل الشام ، فلا يبقى في مصحف رجل ولا في قلبه آية ، ثم قرأ ابن مسعود وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ الآية « 2 » . ثم نبه تعالى على شرف هذا القرآن العظيم فأخبر أنه لو اجتمعت الإنس والجن كلهم واتفقوا على أن يأتوا بمثل ما أنزل على رسوله لما أطاقوا ذلك ولما استطاعوه ، ولو تعاونوا وتساعدوا وتظافروا فإن هذا أمر لا يستطاع ، وكيف يشبه كلام المخلوقين كلام الخالق الذي لا نظير له ولا مثال له ولا عديل له ، وقد روى محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في نفر من اليهود جاءوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا له : إنا نأتيك بمثل ما جئتنا به ، فأنزل اللّه هذه الآية ، وفي هذا نظر ، لأن هذه السورة مكية وسياقها كله مع قريش ، واليهود إنما اجتمعوا به في المدينة ، فاللّه أعلم . وقوله

--> ( 1 ) المصطار : الخمر الحديثة المتغيرة الطعم والريح ، وقيل : المصطار : من أسماء الخمر . ( 2 ) انظر تفسير الطبري 8 / 144 .