ابن كثير
103
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مكة وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب ، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول : « جاء الحق وزهق الباطل ، إن الباطل كان زهوقا . جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد » « 1 » وكذا رواه البخاري أيضا في غير هذا الموضع ، ومسلم والترمذي والنسائي كلهم من طرق عن سفيان بن عيينة به ، وكذا رواه عبد الرزاق عن ابن أبي نجيح به . وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا زهير ، حدثنا شبابة ، حدثنا المغيرة ، حدثنا أبو الزبير عن جابر رضي اللّه عنه قال : دخلنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مكة وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما تعبد من دون اللّه . فأمر بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأكبت على وجوهها ، وقال : جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 82 ] وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَساراً ( 82 ) يقول تعالى مخبرا عن كتابه الذي أنزله على رسوله محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وهو القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ، إنه شفاء ورحمة للمؤمنين أي يذهب ما في القلب من أمراض من شك ونفاق وشرك وزيغ وميل ، فالقرآن يشفي من ذلك كله ، وهو أيضا رحمة يحصل فيها الإيمان والحكمة وطلب الخير والرغبة فيه ، وليس هذا إلا لمن آمن به وصدقه واتبعه ، فإنه يكون شفاء في حقه ورحمة ، وأما الكافر الظالم نفسه بذلك ، فلا يزيد سماعه القرآن إلا بعدا وكفرا ، والآفة من الكافر لا من القرآن ، كقوله تعالى : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [ فصلت : 44 ] ، وقال تعالى : وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ [ التوبة : 124 - 125 ] والآيات في ذلك كثيرة . قال قتادة في قوله : وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إذا سمعه المؤمن انتفع به وحفظه ووعاه وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً أي لا ينتفع به ولا يحفظه ولا يعيه ، فإن اللّه جعل هذا القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين « 2 » . [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 83 إلى 84 ] وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً ( 83 ) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلاً ( 84 ) يخبر تعالى عن نقص الإنسان من حيث هو إلا من عصمه اللّه تعالى في حالتي السراء والضراء ، فإنه إذا أنعم اللّه عليه بمال وعافية وفتح ورزق ونصر ، ونال ما يريد ، أعرض عن
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في المظالم والغضب باب 32 ، وتفسير سورة 17 ، باب 12 ، ومسلم في الجهاد حديث 84 ، 87 ، والترمذي في تفسير سورة 17 ، باب 8 ، وأحمد في المسند 1 / 377 . ( 2 ) انظر تفسير الطبري 8 / 139 .