ابن كثير
60
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
« كم ينحرون كل يوم ؟ » قالا : يوما تسعا ويوما عشرا ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « القوم ما بين التسعمائة إلى الألف » ثم قال لهما : « فمن فيهم من أشراف قريش ؟ » قالا : عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو البختري بن هشام وحكيم بن حزام ونوفل بن خويلد والحارث بن عامر بن نوفل ، وطعيمة بن عدي بن نوفل والنضر بن الحارث ، وزمعة بن الأسود وأبو جهل بن هشام وأمية بن خلف ونبيه ومنبه ابنا الحجاج ، وسهيل بن عمرو وعمرو بن عبد ود ، فأقبل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على الناس فقال : « هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها » . قال محمد بن إسحاق « 1 » رحمه اللّه تعالى : وحدثني عبد اللّه بن أبي بكر بن حزم ، أن سعد بن معاذ قال لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : لما التقى الناس يوم بدر يا رسول اللّه ، ألا نبني لك عريشا تكون فيه ، وننيخ إليك ركائبك ، ونلقى عدونا ، فإن أظفرنا اللّه عليهم وأعزنا فذاك ما نحب ، وإن تكن الأخرى ، فتجلس على ركائبك وتلحق بمن وراءنا من قومنا ، فقد واللّه تخلف عنك أقوام ما نحن بأشد لك حبا منهم ، لو علموا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك ، ويوازرونك وينصرونك . فأثنى عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خيرا ، ودعا له به فبني له عريش ، فكان فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأبو بكر ما معهما غيرهما . قال ابن إسحاق : وارتحلت قريش حين أصبحت ، فلما أقبلت ورآها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تصوب من العقنقل ، وهو الكثيب ، الذي جاءوا منه إلى الوادي ، فقال : « اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك اللهم أحنهم الغداة » . وقوله : لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ، قال محمد بن إسحاق : أي ليكفر من كفر بعد الحجة لما رأى من الآية والعبرة ، ويؤمن من آمن على مثل ذلك ، وهذا تفسير جيد . وبسط ذلك أنه تعالى يقول : إنما جمعكم مع عدوكم في مكان واحد ، على غير ميعاد ، لينصركم عليهم ويرفع كلمة الحق على الباطل ، ليصير الأمر ظاهرا والحجة قاطعة والبراهين ساطعة ، ولا يبقى لأحد حجة ، ولا شبهة ، فحينئذ يهلك من هلك أي يستمر في الكفر من استمر فيه ، على بصيرة من أمره ، إنه مبطل لقيام الحجة عليه ، وَيَحْيى مَنْ حَيَّ أي يؤمن من آمن عَنْ بَيِّنَةٍ أي حجة وبصيرة ، والإيمان هو حياة القلوب ، قال اللّه تعالى : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ [ الأنعام : 122 ] وقالت عائشة في قصة الإفك فهلك فيّ من هلك « 2 » ، أي قال فيها ما قال من البهتان والإفك . وقوله : وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ أي لدعائكم وتضرعكم واستغاثتكم به ، عَلِيمٌ أي بكم ، وأنكم تستحقون النصر
--> ( 1 ) سيرة ابن هشام 1 / 620 ، 621 . ( 2 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 24 ، باب 6 ، والمغازي باب 34 ، ومسلم في التوبة حديث 56 ، وأحمد في المسند 6 / 195 ، ولفظ أحمد في المسند : « فهلك فيمن هلك في شأني » ، ولفظ البخاري ومسلم : « فهلك من هلك في شأني » .