ابن كثير
246
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 68 إلى 70 ] قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 68 ) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ ( 69 ) مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ ( 70 ) يقول تعالى منكرا على من ادعى أن له : وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ أي تقدس عن ذلك هو الغني عن كل ما سواه وكل شيء فقير إليه لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أي فكيف يكون له ولد مما خلق وكل شيء مملوك له عبد له إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أي ليس عندكم دليل على ما تقولونه من الكذب والبهتان أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ إنكار ووعيد أكيد وتهديد شديد كقوله تعالى : وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً [ مريم : 88 - 95 ] . ثم توعد تعالى الكاذبين عليه المفترين ممن زعم أن له ولدا بأنهم لا يفلحون في الدنيا ولا في الآخرة فأما في الدنيا فإنهم إذا استدرجهم وأملى لهم متعهم قليلا ثم يضطرهم إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ كما قال تعالى هاهنا : مَتاعٌ فِي الدُّنْيا أي مدة قريبة ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ أي يوم القيامة ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ أي الموجع المؤلم بِما كانُوا يَكْفُرُونَ أي بسبب كفرهم وافترائهم وكذبهم على اللّه فيما ادعوا من الإفك والزور . [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 71 إلى 73 ] وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ ( 71 ) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 72 ) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ ( 73 ) يقول تعالى لنبيه صلوات اللّه وسلامه عليه : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ أي أخبرهم وأقصص عليهم أي على كفار مكة الذين يكذبونك ويخالفونك نَبَأَ نُوحٍ أي خبره مع قومه الذين كذبوه كيف أهلكهم اللّه ودمرهم بالغرق أجمعين عن آخرهم ليحذر هؤلاء أن يصيبهم من الهلاك والدمار ما أصاب أولئك إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ أي عظم عليكم مَقامِي أي فيكم بين أظهركم وَتَذْكِيرِي إياكم بِآياتِ اللَّهِ أي بحججه وبراهينه فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ أي فإني لا أبالي ولا أكف عنكم سواء عظم عليكم أو لا فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ أي فاجتمعوا أنتم وشركاؤكم الذين تدعون من دون اللّه من صنم ووثن ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً أي ولا تجعلوا أمركم عليكم ملتبسا ، بل افصلوا حالكم معي فإن كنتم تزعمون أنكم محقون فاقضوا إلي وَلا تُنْظِرُونِ أي ولا تؤخروني ساعة واحدة أي مهما قدرتم فافعلوا فإني