ابن كثير
239
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 55 إلى 56 ] أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 55 ) هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 56 ) يخبر تعالى أنه مالك السماوات والأرض وأن وعده حق كائن لا محالة وأنه يحيي ويميت وإليه مرجعهم ، وأنه القادر على ذلك العليم بما تفرق من الأجسام وتمزق في سائر أقطار الأرض والبحار والقفار . [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 57 إلى 58 ] يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ( 57 ) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ( 58 ) يقول تعالى ممتنا على خلقه بما أنزله من القرآن العظيم على رسوله الكريم : يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ أي زاجر عن الفواحش وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ أي من الشبه والشكوك وهو إزالة ما فيها من رجس ودنس ، وهدى ورحمة أي يحصل به الهداية والرحمة من اللّه تعالى ، وإنما ذلك للمؤمنين به والمصدقين الموقنين بما فيه ، كقوله تعالى : وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً [ الإسراء : 82 ] وقوله : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ [ فصلت : 44 ] الآية . وقوله تعالى : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا أي بهذا الذي جاءهم من اللّه من الهدى ودين الحق فليفرحوا ، فإنه أولى ما يفرحون به هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ أي من حطام الدنيا وما فيها من الزهرة الفانية الذاهبة لا محالة ، كما قال ابن أبي حاتم في تفسير هذه الآية ، وذكر بسنده عن بقية بن الوليد عن صفوان بن عمرو ، سمعت أيفع بن عبد الكلاعي يقول : لما قدم خراج العراق إلى عمر رضي اللّه عنه ، خرج عمر ومولى له فجعل عمر يعد الإبل فإذا هي أكثر من ذلك ، فجعل عمر يقول الحمد للّه تعالى ، ويقول مولاه هذا واللّه من فضل اللّه ورحمته ، فقال عمر : كذبت ليس هذا ، هو الذي يقول اللّه تعالى : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ الآية ، وهذا مما يجمعون ، وقد أسنده الحافظ أبو القاسم الطبراني ، فرواه عن أبي زرعة الدمشقي عن حيوة بن شريح عن بقية فذكره . [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 59 إلى 60 ] قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ( 59 ) وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ ( 60 ) قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم : نزلت إنكارا على المشركين فيما كانوا يحللون ويحرمون من البحائر والسوائب والوصايل ، كقوله تعالى : وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً [ الأنعام : 136 ] الآيات ، وقال الإمام