ابن كثير

228

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وقد ضرب اللّه تعالى مثل الدنيا بنبات الأرض في غير ما آية من كتابه العزيز ، فقال في سورة الكهف : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً [ الكهف : 45 ] وكذا في سورة الزمر « 1 » والحديد « 2 » ، يضرب اللّه بذلك مثل الحياة الدنيا . وقال ابن جرير « 3 » : حدثني الحارث ، حدثنا عبد العزيز ، حدثنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عبد الرحمن بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال : سمعت مروان يعني ابن الحكم ، يقرأ على المنبر : وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها ، وما كان اللّه ليهلكهم إلا بذنوب أهلها . قال قد قرأتها وليست في المصحف ، فقال عباس بن عبد اللّه بن عباس هكذا يقرؤها ابن عباس ، فأرسلوا إلى ابن عباس فقال هكذا أقرأني أبي بن كعب ، وهذه قراءة غريبة وكأنها زيدت للتفسير . وقوله تعالى : وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ الآية . لما ذكر تعالى الدنيا وسرعة زوالها ، رغب في الجنة ودعا إليها وسماها دار السلام أي من الآفات ، والنقائص والنكبات فقال : وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ قال أيوب عن أبي قلابة : عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « قيل لي لتنم عينك وليعقل قلبك ولتسمع أذنك ، فنامت عيني وعقل قلبي وسمعت أذني ثم قيل لي : مثلي ومثل ما جئت كمثل سيد بني دارا ثم صنع مأدبة وأرسل داعيا فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ورضي عنه السيد ، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة ولو يرض عنه السيد ، واللّه السيد والدار والإسلام والمأدبة الجنة والداعي محمد صلى اللّه عليه وسلم « 4 » » وهذا الحديث مرسل . وقد جاء متصلا من حديث الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنه قال : خرج علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوما فقال « إني رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجلي يقول أحدهما لصاحبه اضرب له مثلا ، فقال اسمع سمعت أذنك ، واعقل عقل قلبك ، إنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ دارا ثم بنى فيها بيتا ثم جعل فيها مأدبة ثم بعث رسولا يدعو الناس إلى طعامه ، فمنهم من أجاب الرسول ومنهم من تركه فاللّه الملك والدار الإسلام والبيت الجنة ، وأنت يا محمد الرسول فمن أجابك دخل الإسلام ومن دخل الإسلام دخل الجنة ومن دخل الجنة أكل منها » رواه ابن جرير « 5 » .

--> ( 1 ) الآية : 21 . ( 2 ) الآية : 20 . ( 3 ) تفسير الطبري 6 / 547 . ( 4 ) انظر تفسير الطبري 6 / 548 . ( 5 ) تفسير الطبري 6 / 549 .