ابن كثير
208
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
بالجنة « 1 » . وقال عكرمة لما نزلت هذه الآية إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً [ التوبة : 39 ] و ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ [ التوبة : 120 ] الآية ، قال المنافقون : هلك أصحاب البدو الذين تخلفوا عن محمد ولم ينفروا معه ، وقد كان ناس من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم خرجوا إلى البدو إلى قومهم يفقهونهم فأنزل اللّه عز وجل وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً الآية ، ونزلت وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ « 2 » [ الشورى : 16 ] وقال الحسن البصري في الآية : ليتفقه الذين خرجوا بما يريهم اللّه من الظهور على المشركين والنصرة ، وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم « 3 » . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 123 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ( 123 ) أمر اللّه تعالى المؤمنين أن يقاتلوا الكفار أولا ، فأولا الأقرب فالأقرب فالأقرب إلى حوزة الإسلام ، ولهذا بدأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بقتال المشركين في جزيرة العرب ، فلما فرغ منهم وفتح اللّه عليه مكة والمدينة والطائف واليمن واليمامة وهجر وخيبر وحضر موت وغير ذلك من أقاليم جزيرة العرب ، ودخل الناس من سائر أحياء العرب في دين اللّه أفواجا ، شرع في قتال أهل الكتاب ، فتجهز لغزو الروم الذين هم أقرب الناس إلى جزيرة العرب وأولى الناس بالدعوة إلى الإسلام لأنهم أهل الكتاب ، فبلغ تبوك ثم رجع لأجل جهد الناس وجدب البلاد وضيق الحال ، وذلك سنة تسع من هجرته عليه السلام ، ثم اشتغل في السنة العاشرة بحجة الوداع ، ثم عاجلته المنية صلوات اللّه وسلامه عليه بعد حجته بأحد وثمانين يوما ، فاختاره اللّه لما عنده . وقام بالأمر بعده وزيره وصديقه وخليفته أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه ، وقد مال الدين ميلة كاد أن ينجفل فثبته اللّه تعالى به ، فوطد القواعد وثبت الدعائم ، ورد شارد الدين وهو راغم ، ورد أهل الردة إلى الإسلام ، وأخذ الزكاة ممن منعها من الطغام « 4 » ، وبين الحق لمن جهله ، وأدى عن الرسول ما حمله ، ثم شرع في تجهيز الجيوش الإسلامية إلى الروم عبدة الصلبان ، وإلى الفرس عبدة النيران ، ففتح اللّه ببركة سفارته البلاد ، وأرغم أنف كسرى وقيصر ومن أطاعهما من العباد . وأنفق كنوزهما في سبيل اللّه كما أخبر بذلك رسول اللّه وكان تمام الأمر على يدي وصيه من بعده ، وولي عهده الفاروق الأواب ، شهيد المحراب ، أبي حفص عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، فأرغم اللّه به أنوف الكفرة الملحدين ، وقمع الطغاة والمنافقين
--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 6 / 514 ، 515 . ( 2 ) انظر تفسير الطبري 6 / 515 . ( 3 ) انظر تفسير الطبري 6 / 516 . ( 4 ) الطغام : أوغاد الناس .