ابن كثير
200
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وقال ابن جرير « 1 » في قوله لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ أي من النفقة والطهر والزاد والماء مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ أي عن الحق ، ويشك في دين الرسول صلى اللّه عليه وسلم ويرتاب للذي نالهم من المشقة والشدة في سفرهم وغزوهم ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ يقول : ثم رزقهم الإنابة إلى ربهم والرجوع إلى الثبات على دينه إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ . [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 118 إلى 119 ] وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 118 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ( 119 ) قال الإمام أحمد « 2 » : حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن أخي الزهري محمد بن عبد اللّه ، عن عمه محمد بن مسلم الزهري أخبرني عبد الرحمن بن عبد اللّه بن كعب بن مالك ، أن عبد اللّه بن كعب بن مالك وكان قائد كعب من بنيه حين عمي ، قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في غزوة تبوك ، فقال كعب بن مالك : لم أتخلف عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في غزوة غزاها قط إلا في غزاة تبوك ، غير أني كنت تخلفت في غزاة بدر ولم يعاتب أحد تخلف عنها ، وإنما خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يريد عير قريش حتى جمع اللّه بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد ، ولقد شهدت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام ، وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها وأشهر . وكان من خبري حين تخلفت عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في غزوة تبوك ، أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزاة ، واللّه ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزاة ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قلما يريد غزوة يغزوها إلا ورّى « 3 » بغيرها حتى كانت تلك الغزوة فغزاها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا ومفاوز « 4 » ، واستقبل عدوا كثيرا فخلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم ، فأخبرهم وجهه الذي يريد ، والمسلمون مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كثير ، لا يجمعهم كتاب حافظ - يريد الديوان - . قال كعب : فقل رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى عليه ما لم ينزل فيه وحي من اللّه عز وجل ، وغزا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تلك الغزاة حين طابت الثمار والظلال وأنا إليها
--> ( 1 ) تفسير الطبري 6 / 502 . ( 2 ) المسند 3 / 456 - 459 . ( 3 ) ورّى بغيرها : أي سترها ، وأوهم أنه يريد غيرها . ( 4 ) المفاوز : بريه وصحراء قليلة الماء .