ابن كثير
196
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
أنزل اللّه وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ الآية . وقال قتادة في الآية : ذكر لنا أن رجالا من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم : قالوا : يا نبي اللّه إن من آبائنا من كان يحسن الجوار ويصل الأرحام ويفك العاني ويوفي بالذمم أفلا نستغفر لهم ؟ قال : فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم « بلى واللّه إني لأستغفر لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه » فأنزل اللّه ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ حتى بلغ قوله الْجَحِيمِ ثم عذر اللّه تعالى إبراهيم عليه السلام ، فقال : وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ الآية ، قال : وذكر لنا أن نبي اللّه قال : « قد أوحى اللّه إليّ كلمات فدخلن في أذني ووقرن في قلبي : أمرت أن لا أستغفر لمن مات مشركا ، ومن أعطى فضل ماله فهو خير له ، ومن أمسك فهو شر له ، ولا يلوم اللّه على كفاف » « 1 » . وقال الثوري عن الشيباني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : مات رجل يهودي وله ابن مسلم فلم يخرج معه ، فذكر ذلك لابن عباس فقال : فكان ينبغي له أن يمشي معه ويدفنه ويدعو له بالصلاح ما دام حيا ، فإذا مات وكله إلى شأنه ، ثم قال : وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ - إلى قوله - تَبَرَّأَ مِنْهُ لم يدع « 2 » . ويشهد له بالصحة ما رواه أبو داود وغيره عن علي رضي اللّه عنه ، لما مات أبو طالب قلت : يا رسول اللّه إن عمك الشيخ الضال قد مات ، قال : « اذهب فواره ولا تحدثن شيئا حتى تأتيني » « 3 » فذكر تمام الحديث ، وروي أنه صلى اللّه عليه وسلم لما مرت به جنازة عمه أبي طالب قال : « وصلتك رحمة يا عم » وقال عطاء بن أبي رباح : ما كنت لأدع الصلاة على أحد من أهل القبلة ، ولو كانت حبشية حبلى من الزنا ، لأني لم أسمع اللّه حجب الصلاة إلا عن المشركين ، يقول اللّه عز وجل : ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ الآية . وروى ابن جرير « 4 » ، عن ابن وكيع عن أبيه عن عصمة بن زامل عن أبيه ، قال : سمعت أبا هريرة يقول رحم اللّه رجلا استغفر لأبي هريرة ولأمه ، قلت ولأبيه . قال لا . قال إن أبي مات مشركا ، وقوله : فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ قال ابن عباس : ما زال إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات ، فلما تبين له أنه عدو للّه تبرأ منه ، وفي رواية لما مات تبين له أنه عدو للّه ، وكذا قال مجاهد والضحاك وقتادة وغيرهم رحمهم اللّه ، وقال عبيد بن عمير وسعيد بن جبير : إنه يتبرأ منه يوم القيامة حتى يلقى أباه ، وعلى وجه أبيه القترة والغبرة ، فيقول : يا إبراهيم إني كنت أعصيك وإني اليوم لا أعصيك ، فيقول أي رب ألم تعدني أن لا تخزني يوم يبعثون ، فأي خزي
--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 6 / 489 . ( 2 ) انظر تفسير الطبري 6 / 490 ، 491 . ( 3 ) أخرجه أبو داود في الجنائز باب 66 ، والنسائي في الطهارة باب 127 ، والجنائز باب 84 ، وأحمد في المسند 1 / 97 ، 103 ، 130 ، 131 . ( 4 ) تفسير الطبري 6 / 491 .