ابن كثير
174
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ . [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 91 إلى 93 ] لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 91 ) وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ ( 92 ) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 93 ) ثم بين تعالى الأعذار التي لا حرج على من قعد معها عن القتال ، فذكر منها ما هو لازم للشخص لا ينفك عنه وهو الضعف في التركيب الذي لا يستطيع معه الجلاد في الجهاد ، ومنه العمى والعرج ونحوهما ، ولهذا بدأ به ومنه ما هو عارض بسبب مرض عنّ له في بدنه شغله عن الخروج في سبيل اللّه أو بسبب فقره لا يقدر على التجهيز للحرب ، فليس على هؤلاء حرج إذا قعدوا ونصحوا في حال قعودهم ولم يرجفوا بالناس ولم يثبطوهم وهم محسنون في حالهم هذا ، ولهذا قال : ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وقال سفيان الثوري عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي ثمامة رضي اللّه عنه قال : قال الحواريون يا روح اللّه أخبرنا عن الناصح للّه ؟ قال الذي يؤثر حق اللّه على حق الناس ، وإذا حدث له أمران أو بدا له أمر الدنيا وأمر الآخرة ، بدأ بالذي للآخرة ثم تفرغ للذي للدنيا . وقال الأوزاعي : خرج الناس إلى الاستسقاء فقام فيهم بلال بن سعد فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال ، يا معشر من حضر ألستم مقرين بالإساءة ؟ قالوا اللهم نعم ، فقال اللهم إنا نسمعك تقول : ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ اللهم وقد أقررنا بالإساءة فاغفر لنا وارحمنا واسقنا ، ورفع يديه ورفعوا أيديهم فسقوا ، وقال قتادة نزلت هذه الآية في عائذ بن عمرو المزني ، وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا هشام بن عبيد اللّه الرازي ، حدثنا ابن جابر عن ابن فروة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن زيد بن ثابت قال : كنت أكتب لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فكنت أكتب براءة ، فإني لواضع القلم على أذني إذ أمرنا بالقتال ، فجعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ينظر ما ينزل عليه ، إذ جاء أعمى فقال : كيف بي يا رسول اللّه وأنا أعمى ؟ فنزلت لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ الآية . وقال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية ، وذلك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أمر الناس أن ينبعثوا غازين معه ، فجاءته عصابة من أصحابه فيهم عبد اللّه بن مغفل بن مقرن المزني فقالوا : يا رسول اللّه احملنا فقال لهم : واللّه لا أجد ما أحملكم عليه » فتولوا وهم يبكون وعز عليهم أن يجلسوا عن الجهاد ولا يجدون نفقة ولا محملا . فلما رأى اللّه حرصهم على محبته ومحبة رسوله أنزل عذرهم في كتابه فقال لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ إلى قوله فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ « 1 » .
--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 6 / 445 ، 446 .