ابن كثير

157

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ [ التوبة : 29 ] وسيف للمنافقين جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وسيف للبغاة فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ [ الحجرات : 9 ] وهذا يقتضي أنهم يجاهدون بالسيوف إذا أظهروا النفاق وهو اختيار ابن جرير « 1 » . وقال ابن مسعود في قوله تعالى : جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ قال : بيده فإن لم يستطع فليكفهر في وجهه « 2 » . وقال ابن عباس : أمره اللّه تعالى بجهاد الكفار بالسيف والمنافقين باللسان وأذهب الرفق عنهم « 3 » ، وقال الضحاك : جاهد الكفار بالسيف وأغلظ على المنافقين بالكلام وهو مجاهدتهم « 4 » ، وعن مقاتل والربيع مثله ، وقال الحسن وقتادة مجاهدتهم إقامة الحدود عليهم ، وقد يقال إنه لا منافاة بين هذه الأقوال لأنه تارة يؤاخذهم بهذا وتارة بهذا بحسب الأحوال ، واللّه أعلم . وقوله : يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ قال قتادة : نزلت في عبد اللّه بن أبي وذلك أنه اقتتل رجلان جهني وأنصاري فعلا الجهني على الأنصاري ، فقال عبد اللّه للأنصار ألا تنصروا أخاكم ؟ واللّه ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل : سمن كلبك يأكلك ، وقال لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ، فسعى بها رجل من المسلمين إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فأرسل إليه فسأله فجعل يحلف باللّه ما قاله ، فأنزل اللّه فيه هذه الآية « 5 » . وروى إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة قال : فحدثني عبد اللّه بن الفضل أنه سمع أنس بن مالك رضي اللّه عنه يقول : حزنت على من أصيب بالحرة من قومي فكتب إلي زيد بن أرقم وبلغه شدة حزني يذكر أنه سمع رسول اللّه يقول : « اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار » وشك ابن الفضل في أبناء أبناء الأنصار قال ابن الفضل : فسأل أنس بعض من كان عنده عن زيد بن أرقم فقال : هو الذي يقول له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أوفى اللّه له بإذنه » قال : وذلك حين سمع رجلا من المنافقين يقول ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يخطب : لئن كان صادقا فنحن شر من الحمير ، فقال زيد بن أرقم : فهو واللّه صادق ولأنت شر من الحمار . ثم رفع ذلك إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فجحده القائل فأنزل اللّه هذه الآية تصديقا لزيد ، يعني قوله : يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا

--> ( 1 ) تفسير الطبري 6 / 419 . ( 2 ) تفسير الطبري 6 / 419 . ( 3 ) تفسير الطبري 6 / 420 . ( 4 ) تفسير الطبري 6 / 420 . ( 5 ) تفسير الطبري 6 / 422 .