ابن كثير

150

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الآية ، أي ألم يتحققوا ويعلموا أنه من حاد اللّه عز وجل أي شاقه وحاربه وخالفه ، وكان في حد واللّه ورسوله في حد فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِداً فِيها أي مهانا معذبا ، و ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ أي وهذا هو الذل العظيم والشقاء الكبير . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 64 ] يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ ( 64 ) قال مجاهد : يقولون القول بينهم ثم يقولون عسى اللّه أن لا يفشي علينا سرنا هذا ، وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى : وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ [ المجادلة : 8 ] ، وقال في هذه الآية : قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ أي إن اللّه سينزل على رسوله ما يفضحكم به ويبين له أمركم ، كقوله تعالى : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ - إلى قوله - وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ [ محمد : 29 - 30 ] الآية ، ولهذا قال قتادة : كانت تسمى هذه السورة الفاضحة فاضحة المنافقين « 1 » . [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 65 إلى 66 ] وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَ بِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ ( 65 ) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ ( 66 ) قال أبو معشر المديني : عن محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا : قال رجل من المنافقين : ما أرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطونا وأكذبنا ألسنة ، وأجبننا عند اللقاء . فرفع ذلك إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فجاء إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقد ارتحل وركب ناقته فقال : يا رسول اللّه إنما كنا نخوض ونلعب . فقال : أَ بِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ - إلى قوله - كانُوا مُجْرِمِينَ وإن رجليه لتسفعان الحجارة وما يلتفت إليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو متعلق بنسعة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 2 » . وقال عبد اللّه بن وهب : أخبرني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عبد اللّه بن عمر قال : قال رجل في غزوة تبوك في مجلس : ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا ولا أكذب ألسنا ولا أجبن عند اللقاء . فقال رجل في المسجد : كذبت ولكنك منافق لأخبرن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فبلغ ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ونزل القرآن ، فقال عبد اللّه بن عمر أنا رأيته متعلقا بحقب ناقة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تنكبه الحجارة ، وهو يقول يا رسول اللّه إنما كنا نخوض ونلعب ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم

--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 6 / 408 . ( 2 ) انظر تفسير الطبري 6 / 409 ، 410 .