ابن كثير
14
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وقال آخرون عنى بذلك المشركين ، حدثنا يونس أنبأنا ابن وهب قال قال ابن زيد في قوله تعالى : يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ قال هؤلاء المشركون جادلوه في الحق كأنما يساقون إلى الموت حين يدعون إلى الإسلام وهم ينظرون . قال وليس هذا من صفة الآخرين ، هذه صفة مبتدأة لأهل الكفر . ثم قال ابن جرير : ولا معنى لما قاله ، لأن الذي قبل قوله يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ خبر عن أهل الإيمان والذي يتلوه خبر عنهم . والصواب قول ابن عباس وابن إسحاق : أنه خبر عن المؤمنين ، وهذا الذي نصره ابن جرير هو الحق وهو الذي يدل عليه سياق الكلام ، واللّه أعلم . وقال الإمام أحمد « 1 » رحمه اللّه : حدثنا يحيى بن بكير وعبد الرزاق قالا : حدثنا إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال : قيل لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين فرغ من بدر : عليك بالعير ليس دونها شيء ، فناداه العباس بن عبد المطلب ، قال عبد الرزاق وهو أسير في وثاقه إنه لا يصلح لك ، قال ولم ؟ قال لأن اللّه عز وجل إنما وعدك إحدى الطائفتين ، وقد أعطاك اللّه ما وعدك إسناد جيد ولم يخرجه . ومعنى قوله تعالى : وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ أي يحبون أن الطائفة التي لا حد لها ولا منعة ولا قتال تكون لهم وهي العير ، وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ أي هو يريد أي يجمع بينكم وبين الطائفة التي لها الشوكة والقتال ليظفركم بهم وينصركم عليهم ، ويظهر دينه ويرفع كلمة الإسلام ويجعله غالبا على الأديان ، وهو أعلم بعواقب الأمور ، وهو الذي يدبركم بحسن تدبيره ، وإن كان العباد يحبون خلاف ذلك فيما يظهر لهم كقوله تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ [ البقرة : 216 ] . وقال محمد بن إسحاق رحمه اللّه : حدثني محمد بن مسلم الزهري ، وعاصم بن عمر بن قتادة وعبد اللّه بن أبي بكر ويزيد بن رومان ، عن عروة بن الزبير وغيرهم من علمائنا عن عبد اللّه بن عباس ، كل قد حدثني بعض هذا الحديث فاجتمع حديثهم فيما سقت من حديث بدر قالوا لما سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بأبي سفيان مقبلا من الشام ندب المسلمين إليهم ، وقال هذه عير قريش فيها أموالهم ، فأخرجوا إليها لعل اللّه أي ينفلكموها فانتدب الناس فخف بعضهم وثقل بعضهم ، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يلقى حربا . وكان أبو سفيان قد استنفر حين دنا من الحجاز يتجسس الأخبار ، ويسأل من لقي من
--> ( 1 ) المسند 1 / 229 .