ابن كثير
98
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وقد روى ابن جرير « 1 » وابن أبي حاتم من طريق عبد المؤمن عن نجدة الحنفي ، قال : سألت ابن عباس عن قوله وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما أخاص أم عام ؟ فقال : بل عام ، وهذا يحتمل أن يكون موافقة من ابن عباس لما ذهب إليه هؤلاء ، ويحتمل غير ذلك ، فاللّه أعلم . وتمسكوا بما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « لعن اللّه السارق يسرق البيضة فتقطع يده ، ويسرق الحبل فتقطع يده » « 2 » وأما الجمهور ، فاعتبروا النصاب في السرقة وإن كان قد وقع بينهم الخلاف في قدره ، فذهب كل من الأئمة الأربعة إلى قول على حدة ، فعند الإمام مالك بن أنس رحمه اللّه النصاب ثلاثة دراهم مضروبة خالصة ، فمتى سرقها أو ما يبلغ ثمنها فما فوقه ، وجب القطع ، واحتج في ذلك بما رواه عن نافع عن ابن عمر أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم » ، أخرجاه في الصحيحين « 3 » ، قال مالك رحمه اللّه : وقطع عثمان رضي اللّه عنه في أترجة قومت بثلاثة دراهم ، وهو أحب ما سمعت في ذلك ، وهذا الأثر عن عثمان رضي اللّه عنه قد رواه مالك عن عبد اللّه بن أبي بكر عن أبيه ، عن عمرة بنت عبد الرحمن أن سارقا سرق في زمن عثمان أترجة ، فأمر بها عثمان أن تقوم فقومت بثلاثة دراهم من صرف اثني عشر درهما ، فقطع عثمان يده . قال أصحاب مالك : ومثل هذا الصنيع يشتهر ، ولم ينكر ، فمن مثله يحكي الإجماع السكوتي ، وفيه دلالة على القطع في الثمار خلافا للحنفية ، وعلى اعتبار ثلاثة دراهم خلافا لهم في أنه لا بد من عشرة دراهم ، وللشافعية في اعتبار ربع دينار ، واللّه أعلم . وذهب الشافعي رحمه اللّه إلى أن الاعتبار في قطع يد السارق بربع دينار أو ما يساويه من الأثمان أو العروض فصاعدا ، والحجة في ذلك ما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم من طريق الزهري عن عمرة ، عن عائشة رضي اللّه عنها أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا » « 4 » ولمسلم من طريق أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن عمرة ، عن عائشة رضي اللّه عنها أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا » قال أصحابنا : فهذا الحديث فاصل في المسألة ، ونص في اعتبار ربع الدينار لا ما ساواه . قالوا : وحديث ثمن المجن ، وأنه كان ثلاثة دراهم لا ينافي هذا لأنه إذ ذاك كان الدينار باثني عشر درهما ، فهي ثمن ربع دينار ، فأمكن الجمع بهذا الطريق ، ويروى هذا المذهب عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي اللّه عنهم ، وبه يقول عمر بن عبد العزيز
--> ( 1 ) تفسير الطبري 4 / 570 . ( 2 ) صحيح مسلم ( حدود حديث 7 ) وسنن ابن ماجة ( حدود باب 22 ) وسنن النسائي ( سارق باب 1 ) ( 3 ) صحيح مسلم ( حدود حديث 6 ) وسنن أبي داود ( حدود باب 12 ) وسنن الترمذي ( حدود باب 16 ) وسنن النسائي ( سارق باب 8 ) وموطأ مالك ( حدود حديث 21 ) ( 4 ) صحيح البخاري ( حدود باب 13 ) وصحيح مسلم ( حدود حديث 2 ) وسنن النسائي ( سارق باب 8 )