ابن كثير
92
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
في هذه الحياة الدنيا مع ما ادخر اللّه لهم من العذاب العظيم يوم القيامة ، وهذا يؤيد قول من قال : إنها نزلت في المشركين فأما أهل الإسلام ففي صحيح مسلم عن عبادة بن الصامت رضي اللّه عنه قال : أخذ علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كما أخذ على النساء ألا نشرك باللّه شيئا ، ولا نسرق ولا نزني ، ولا نقتل أولادنا ، ولا يعضه « 1 » بعضنا بعضا ، فمن وفي منكم فأجره على اللّه تعالى ، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب فهو كفارة له ، ومن ستره اللّه فأمره إلى اللّه : إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه « 2 » ، وعن علي قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « من أذنب ذنبا في الدنيا فعوقب به ، فاللّه أعدل من أن يثني عقوبته على عبده ، ومن أذنب ذنبا في الدنيا فستره اللّه عليه وعفا عنه ، فاللّه أكرم من أن يعود عليه في شيء قد عفا عنه » . ورواه الإمام أحمد « 3 » والترمذي وابن ماجة ، وقال الترمذي : حسن غريب . وقد سئل الحافظ الدارقطني عن هذا الحديث ، فقال : روي مرفوعا وموقوفا ، قال ورفعه صحيح . وقال ابن جرير « 4 » في قوله : ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا يعني شر وعار ونكال وذلة وعقوبة في عاجل الدنيا قبل الآخرة . وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ أي إذا لم يتوبوا من فعلهم ذلك حتى هلكوا لهم في الآخرة مع الجزاء الذي جازيتهم به في الدنيا ، والعقوبة التي عاقبتهم بها فيها عَذابٌ عَظِيمٌ ، يعني عذاب جهنم ، وقوله تعالى : إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أما على قول من قال : إنها في أهل الشرك فظاهر ، وأما المحاربون المسلمون فإذا تابوا قبل القدرة عليهم ، فإنه يسقط عنهم انحتام القتل والصلب وقطع الرجل ، وهل يسقط قطع اليد أم لا ؟ فيه قولان للعلماء ، وظاهر الآية يقتضي سقوط الجميع ، وعليه عمل الصحابة ، كما قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو أسامة ، عن مجالد ، عن الشعبي قال : كان حارثة بن بدر التميمي من أهل البصرة ، وكان قد أفسد في الأرض وحارب ، فكلم رجالا من قريش منهم الحسن بن علي وابن عباس وعبد اللّه بن جعفر ، فكلموا عليا فيه فلم يؤمنه ، فأتى سعيد بن قيس الهمداني فخلفه في داره ، ثم أتى عليا ، فقال : يا أمير المؤمنين ، أرأيت من حارب اللّه ورسوله ، وسعى في الأرض فسادا ، فقرأ حتى بلغ إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ قال : فكتب له أمانا ، قال سعيد بن قيس : فإنه حارثة بن بدر ، وكذا رواه ابن جرير من غير وجه عن مجالد عن الشعبي به ، وزاد فقال حارثة بن بدر : [ الطويل ] ألا بلغن همدان أما لقيتها * على النأي لا يسلم عدو يعيبها
--> ( 1 ) أي لا يقذفه بالباطل . ( 2 ) صحيح مسلم ( حدود حديث 43 ) ( 3 ) مسند أحمد 1 / 99 . ( 4 ) تفسير الطبري 4 / 560 .