ابن كثير
76
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
منك ، وكان يتواعده بالقتل إلى أن احتبس هابيل ذات عشية في غنمه ، فقال آدم : يا قابيل ، أين أخوك ؟ قال : وبعثتني له راعيا لا أدري ، فقال آدم : ويلك يا قابيل ، انطلق فاطلب أخاك ، فقال قابيل في نفسه : الليلة أقتله ، وأخذ معه حديدة فاستقبله وهو منقلب ، فقال : يا هابيل تقبل قربانك ورد علي قرباني لأقتلنك ، فقال هابيل : قربت أطيب مالي ، وقربت أنت أخبث مالك وإن اللّه لا يقبل إلا الطيب إنما يتقبل اللّه من المتقين ، فلما قالها غضب قابيل ، فرفع الحديدة وضربه بها ، فقال : ويلك يا قابيل ، أين أنت من اللّه كيف يجزيك بعملك ؟ فقتله ، فطرحه في حوبة من الأرض ، وحثى عليه شيئا من التراب . وروى محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول : أن آدم أمر ابنه قابيل أن ينكح أخته توأمة هابيل ، وأمر هابيل أن ينكح توأمة قابيل ، فسلم لذلك هابيل ورضي ، وأبى ذلك قابيل وكره تكرما عن أخت هابيل ، ورغب بأخته عن هابيل وقال : نحن من ولادة الجنة ، وهما من ولادة الأرض ، وأنا أحق بأختي ، ويقول بعض أهل العلم بالكتاب الأول : كانت أخت قابيل من أحسن الناس ، فضن بها على أخيه وأرادها لنفسه واللّه أعلم أي ذلك كان فقال له أبوه : يا بني إنها لا تحل لك فأبى قابيل أن يقبل ذلك من قول أبيه ، قال له أبوه : يا بني قرّب قربانا ويقرب أخوك هابيل قربانا فأيكما تقبل قربانه فهو أحق بها ، وكان قابيل على بذر الأرض ، وكان هابيل على رعاية الماشية ، فقرب قابيل قمحا وقرب هابيل أبكارا من أبكار غنمه ، وبعضهم يقول : قرب بقرة ، فأرسل اللّه نارا بيضاء فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل ، وبذلك كان يقبل القربان إذا قبله ، رواه ابن جرير « 1 » . وروى العوفي عن ابن عباس قال : من شأنهما أنه لم يكن مسكين يتصدق عليه وإنما كان القربان يقربه الرجل فبينا ابنا آدم قاعدان ، إذ قالا لو قربنا قربانا ، وكان الرجل إذا قرب قربانا فرضيه اللّه أرسل إليه نارا فتأكله ، وإن لم يكن رضيه اللّه خبت النار ، فقربا قربانا ، وكان أحدهما راعيا وكان الآخر حراثا ، وإن صاحب الغنم قرب خير غنمه وأسمنها ، وقرب الآخر بعض زرعه ، فجاءت النار فنزلت بينهما فأكلت الشاة وتركت الزرع ، وإن ابن آدم قال لأخيه أتمشي في الناس وقد علموا أنك قربت قربانا فتقبل منك ورد علي ، فلا واللّه لا ينظر الناس إليّ وأنت خير مني فقال : لأقتلنك ، فقال له أخوه : ما ذنبي ؟ إنما يتقبل اللّه من المتقين . رواه ابن جرير « 2 » . فهذا الأثر يقتضي أن تقريب القربان كان لا عن سبب ولا عن تدارؤ « 3 » في امرأة كما تقدم عن جماعة ممن تقدم ذكرهم وهو ظاهر القرآن
--> ( 1 ) تفسير الطبري 4 / 529 . ( 2 ) تفسير الطبري 4 / 528 . ( 3 ) التدارؤ : التدافع في الخصومة .