ابن كثير

73

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

أذرع ، وعصاه عشرة أذرع ، ووثب في السماء عشرة أذرع ، فضرب عوجا فأصاب كعبه فسقط ميتا وكان جسرا للناس يمرون عليه « 1 » . وقوله تعالى : فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ تسلية لموسى عليه السلام عنهم ، أي لا تأسف ولا تحزن عليهم فيما حكمت عليهم به ، فإنهم مستحقون ذلك ، وهذه القصة تضمنت تقريع اليهود ، وبيان فضائحهم ومخالفتهم للّه ولرسوله ونكولهم عن طاعتهما فيما أمراهم به من الجهاد ، فضعفت أنفسهم عن مصابرة الأعداء ومجالدتهم ومقاتلتهم ، مع أن بين أظهرهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وكليمه وصفيه من خلقه في ذلك الزمان ، وهو يعدهم بالنصر والظفر بأعدائهم ، هذا مع ما شاهدوا من فعل اللّه بعدوهم فرعون من العذاب والنكال والغرق له ولجنوده في اليم وهم ينظرون لتقر به أعينهم ، وما بالعهد من قدم ، ثم ينكلون عن مقاتلة أهل بلد هي بالنسبة إلى ديار مصر لا توازي عشر المعشار في عدة أهلها وعددهم ، فظهرت قبائح صنيعهم للخاص والعام ، وافتضحوا فضيحة لا يغطيها الليل ، ولا يسترها الذيل ، هذا وهم في جهلهم يعمهون وفي غيهم يتردّدون ، وهم البغضاء إلى اللّه وأعداؤه ويقولون مع ذلك : نحن أبناء اللّه وأحباؤه ، فقبح اللّه وجوههم التي مسخ منها الخنازير والقرود وألزمهم لعنة تصحبهم إلى النار ذات الوقود ، ويقضي لهم فيها بتأييد الخلود ، وقد فعل وله الحمد في جميع الوجود . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 27 إلى 31 ] وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ( 27 ) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ ( 28 ) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ ( 29 ) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 30 ) فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ( 31 ) يقول تعالى مبينا وخيم عاقبة البغي والحسد والظلم في خبر ابني آدم لصلبه في قول الجمهور ، وهما قابيل وهابيل كيف عدا أحدهما على الآخر فقتله ، بغيا عليه وحسدا له ، فيما وهبه اللّه من النعمة وتقبل القربان الذي أخلص فيه للّه عزّ وجل ، ففاز المقتول بوضع الآثام والدخول إلى الجنة ، وخاب القاتل ورجع بالصفقة الخاسرة في الدارين ، فقال تعالى : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ ، أي أقصص على هؤلاء البغاة الحسدة إخوان الخنازير والقردة من اليهود وأمثالهم وأشباههم خبر ابني آدم ، وهما هابيل وقابيل ، فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف . وقوله بِالْحَقِّ أي على الجلية والأمر الذي لا لبس فيه ولا كذب ، ولا وهم ولا تبديل ،

--> ( 1 ) المصدر السابق .