ابن كثير

65

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

محمدا صلّى اللّه عليه وسلم ، فهدى الخلائق وأخرجهم اللّه به من الظلمات إلى النور ، وتركهم على المحجة البيضاء والشريعة الغراء ، ولهذا قال تعالى : أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ أي لئلا تحتجوا وتقولوا يا أيها الذين بدلوا دينهم وغيروه ما جاءنا من رسول يبشر بالخير وينذر من الشر ، فقد جاءكم بشير ونذير يعني محمدا صلّى اللّه عليه وسلم ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قال ابن جرير : معناه إني قادر على عقاب من عصاني ، وثواب من أطاعني « 1 » . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 20 إلى 26 ] وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ ( 20 ) يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ ( 21 ) قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ ( 22 ) قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 23 ) قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ ( 24 ) قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ( 25 ) قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ( 26 ) يقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله وكليمه موسى بن عمران عليه السلام فيما ذكر به قومه من نعم اللّه عليهم وآلائه لديهم في جمعه لهم خير الدنيا والآخرة : لو استقاموا على طريقتهم المستقيمة ، فقال تعالى : وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ أي كلما هلك نبي قام فيكم نبي من لدن أبيكم إبراهيم إلى من بعده ، وكذلك كانوا لا يزال فيهم الأنبياء يدعون إلى اللّه ويحذرون نقمته حتى ختموا بعيسى ابن مريم عليه السلام ، ثم أوحى اللّه إلى خاتم الأنبياء والرسل على الإطلاق محمد بن عبد اللّه المنسوب إلى إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام ، وهو أشرف من كل من تقدمه منهم صلّى اللّه عليه وسلم . وقوله وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً قال عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن منصور ، عن الحكم أو غيره ، عن ابن عباس في قوله : وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً ، قال : الخادم والمرأة والبيت « 2 » . وروى الحاكم في مستدركه من حديث الثوري أيضا عن الأعمش ، عن مجاهد عن ابن عباس قال : المرأة والخادم وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ قال : الذين هم بين ظهرانيهم يومئذ . ثم قال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه . وروى ميمون بن مهران عن ابن عباس قال : كان الرجل من بني إسرائيل إذا كان له الزوجة والخادم والدار ، سمي ملكا . وقال ابن

--> ( 1 ) تفسير الطبري 4 / 508 . ( 2 ) تفسير الطبري 4 / 510 وفيه « الزوجة » مكان « المرأة » .